آراء مغاربية – #تونس | تونس ليست كباقي الدول.. و #القمة_العربية ليست كباقي القمم

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 29 mars 2019 - 6:42
آراء مغاربية – #تونس | تونس ليست كباقي الدول.. و #القمة_العربية ليست كباقي القمم

القمة العربية في تونس تأتي في وقت بلغ التحدي فيه مداه، لذلك هي قمة ليست كسائر القمم تستضيفها دولة ليست كسائر الدول.

المملكة العربية السعودية التي تمد يدها لتونس اليوم ليست مملكة الماضي، بل هي مملكة المستقبل. وتونس التي تستقبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز دولة ليست كباقي الدول.
لدى كلا الجانبين الكثير مما يمكن أن يقدمه للآخر.
رغم مظاهر البنية التحتية المتقادمة، تستطيع العين الفاحصة اكتشاف فرص الاستثمار الهائلة في هذا البلد الشمال أفريقي المغاربي. بالتأكيد، هذا لا ينفي أن تونس تواجه وضعا صعبا على الصعيد السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي.
سياسيا: هناك حزب لكل 38 ألف مواطن، إن أخذنا بعين الاعتبار عدد من لا يحق لهم التصويت قانونا.
قد يجد البعض في هذه الظاهرة فوضى ديمقراطية، يضاف إليها ما بات يعرف باسم الهجرة الحزبية والبرلمانية، إلى جانب التحالفات والتكتلات التي تتبدل من يوم لآخر، حتى باتت عملية متابعة ما يحدث على الساحة السياسية مهمة صعبة، ليس فقط على الناس العاديين، بل حتى على أهل الاختصاص.
أمنيا: كان من سوء طالع تونس أن ترث مشكلات الجوار، بحدودها التي تصعب السيطرة عليها، وباتت تشكل منفذا للمهربين وعناصر إرهابية تستهدف أمن البلاد، سواء كان ذلك من الخارج أو الداخل. بالطبع لا ننسى الاتهامات التي توجه أيضا لقوى سياسية تونسية بدعم مجموعات داخلية تحوم حولها شبهة الإرهاب، وإن كان الجدل الدائر حول هذه التهم لم يحسم قضائيا.
اجتماعيا: تعاني تونس من مشكلة بطالة مستعصية، خاصة في صفوف حاملي الشهادات العليا. وتزداد نسبة التونسيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وهناك أزمة خانقة في السكن وصندوق الضمان الاجتماعي والصحي، إلى جانب استنزاف للعقول والكفاءات العلمية التي تبحث عن فرص أفضل للعمل في أوروبا ودول خليجية، وتفشي ظاهرة التسرب والعنف المدرسي مؤخرا.
اقتصاديا: تشهد تونس انهيارا في سعر الدينار وعجزا في الميزان التجاري وأرقام بطالة مرتفعة واقتصادا موازيا وتهرّبا ضريبيا، وفسادا ينتشر أفقيا وعموديا يحرم خزينة الدولة من موارد هامة.
ويكبّل الخوف من الفشل الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ رحيل الرئيس زين العابدين بن علي إلى اليوم. الأمر الذي يفسر ظواهر سياسية مثل كثرة الأحزاب والتكتلات والتحالفات، فالجميع يخاف من تحمّل المسؤولية منفردا.
رغم ذلك، يتطلب الإنصاف الإشارة إلى أن الأزمة الاقتصادية في تونس ليست صناعة محلية، ولم تأت نتيجة حتمية للثورة التي شهدتها البلاد، بل حدثت بالتزامن مع أزمة اقتصادية عالمية، كان بالإمكان التنبؤ بها من اللحظة الأولى، أزمة طالت دولا غنية بمواردها وأجبرتها على تبني تغييرات جذرية في سياساتها الاقتصادية.
تواجه تونس اليوم تحديات لن تستطيع وحدها إيجاد حل لها، رغم الصمود الذي أبدته حتى اللحظة الأخيرة، بينما دول أوروبية مثل اليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، ما كان لها أن تصمد في وجه الإعصار لو لا حاضنة الاتحاد الأوروبي. رغم ذلك، الصورة ليست قاتمة.

السؤال الذي يجب أن يطرح هو: ماذا يمكن لتونس أن تقدم؟


يعيش العالم العربي اليوم “ثورة هادئة” تقودها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى تقف إلى جانبهما، هدفها دحر الفكر الظلامي، وإيجاد حلول للتحديات الكبرى التي يواجهها العالم، والبحث عن حلول ومخارج تؤسس لمستقبل الأجيال القادمة. فالحل في النهاية لن يكون عسكريا فقط.
وفي هذه النقطة بالتحديد تتمتع تونس بأهمية خاصة فهي رائدة للمدنية والحداثة في الوطن العربي.
دعونا نذكر:
كانت تونس سباقة بمئة عام على عدد من الدول العربية، وبعشرات السنين على أكبر الديمقراطيات في إلغاء الرق. حدث ذلك في 23 يناير عام 1846. وفي نفس الشهر من عام 1861 صدر دستور عهد الأمان الذي ساوى بين التونسيين أمام الضرائب. فكان أول دستور يضعه بلد عربي.
وكانت اليونسكو قد أعلنت في نوفمبر 2017 عن تدوين التجربة التونسية في مجال إلغاء الرق بسجل “ذاكرة العالم”.
وفي نفس هذا الشهر (يناير) 1946 تأسس الاتحاد التونسي للشغل. الاتحاد الذي شكل في ما بعد قوة دفع لتحولات كبرى توجت سنة 2015 بجائزة نوبل للسلام، اعتراف من العالم أسره بالدور الذي لعبه الاتحاد لإنقاذ التجربة الديمقراطية التونسية من الفشل.
تونس بلد الطاهر الحداد، القلب والعقل الذي يقف وراء الوضع القانوني المتقدم للمرأة في تونس. فهو من مهّد لصدور قانون الأحوال الشخصية، ضامنا للمرأة حقوقا من بينها حق الطلاق ومنع تعدد الزوجات، في وقت لم تحصل فيه النساء بعد على حق التصويت في عدد من دول أوروبا.
ولا تزال صرخة كاتب (امرأتنا في الشريعة والمجتمع) “مجتمع لم تتحرر فيه المرأة لهو مجتمع ليس حرا حقيقة” تتردد في الأصداء.
على مدى تسعين عاما لم يفقد فكر الحداد راهنيته.
من قدم للعالم شاعرا (أبوالقاسم الشابي)، توفي وهو في سن الخامسة والعشرين، حافرا في الوجدان العربي بيتا من الشعر سيعيش ما عاشت البشرية “إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”.
المفكر الفرنسي ميشال فوكو، الذي عاش في تونس على مدى عامين ونصف العام، يقول في مقارنة بين الحركة الطلابية الأوروبية عام 1968 والحركة الطلابية في تونس في شهر مارس من نفس العام، إنه أصيب بالذهول وهو يرى شبانا وشابات تونسيين عرّضوا أنفسهم للمخاطر في “تجربة سياسية حقيقية”، مقرا أن تونس شكلت لديه مرحلة الممارسة الفلسفية والسياسية الفعلية.

وتونس، ابن خلدون، لم تكن سباقة في مجال الفكر والاجتماع وحقوق الإنسان فقط، بل هي أيضا سباقة في مجال الإبداع.

عندما قام مخترعا السينما الأخوان الفرنسيان لوميار بتصوير مشاهد لأنهج تونس العاصمة عام 1886، قام ألبير شمامة شيكلي رائد السينما التونسية بتقديم أول عرض في تونس العام التالي. وفي عام 1908 شهدت تونس افتتاح أول قاعة للعرض السينمائي.
واليوم تقدم تونس مخرجين ونجوما كبارا تستقطبهم صناعة الدراما والسينما والإعلام عربيا وعالميا.
بول كلي الفنان السويسري الألماني الذي ساهم في تأسيس منهج التجريد، ما كان له أن يقوم بذلك إلا بعد أن وقف على أبواب القيروان في أبريل عام 1914 قائلا “اليوم فقط أصبحت رساما”.
تونس، التي جاءها نزار قباني عاشقا يتغنى “يا تونس الخضراء جئتك عاشقا (..) هل لي لصدرك رجعة وكتاب”، ومحمود درويش الذي تساءل في أحضانها “كيف نشفى من حب تونس الذي يجري فينا مجرى النفس″، تونس هذه ضنت على مبدعيها بالدعم المعنوي والمادي، رغم أنها كانت ومازالت تتوج المبدعين العرب في مهرجاناتها.
الجميع مر من قرطاج، والجميع انتشى بمواجهة جمهورها الذواق.
لنضع الخلافات جانبا. يجب ألا تعيق أي مصالح ضيقة مهمة التغلب على التحديات.
الشباب الذي يغامر بحياته متصيدا الفرص، عابرا البحر بقوارب متداعية مزدحمة، يستحق أن نقتنص من أجله الفرصة، فنمد أيادينا لأيادي أشقاء مدركين مكانة تونس الحقيقية وما يمكن أن تقدمه لإنجاح “الثورة الهادئة” ونشر ثقافة التسامح والاعتدال.
تونس أرض الفرص، غنية بموقعها وتاريخها وإنسانها، كل ما تحتاجه هو تلقف اليد الممدودة، يد الاعتدال التي يقودها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.
القمة العربية في تونس تأتي في وقت بلغ التحدي فيه مداه، لذلك هي قمة ليست كسائر القمم تستضيفها دولة ليست كسائر الدول.

علي قاسم – كاتب سوري مقيم في تونس

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.