آراء مغاربية – #تونس | #ثورة على #الثورة أم قفز في المجهول

مشاهدة
أخر تحديث : lundi 17 décembre 2018 - 6:10
آراء مغاربية – #تونس | #ثورة على #الثورة أم قفز في المجهول

إن موجة الاحتجاجات نتيجة طبيعية لفشل طبقة الحكم ما بعد الثورة في إدارة البلاد وتقديم حلول لأزماتها الهيكلية، وليست مؤامرة مدفوعة الأجر من الخارج، كما يروّج جمهور الإسلاميين.


بالتزامن مع ذكرى انطلاق احتجاجات 2010 على نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تبدو تونس مهيّأة لاحتجاجات كبرى بسبب انسداد الآفاق سياسيا واجتماعيا، وخاصة بسبب قناعة تبدو عامة لدى الطبقة السياسية وفي الشارع مفادها أن ثماني سنوات من الثورة قد أعادت البلاد إلى مرحلة أسوأ مما كانت عليه قبل رحيل بن علي.
توسّعت دائرة الاحتجاج، خلال الأسبوع المنقضي، لتشمل قطاعات مؤثرة اجتماعيا مثل مدرسي التعليم الأساسي والثانوي، والمحامين، والفئتان كان لهما دور مؤثر في توجيه احتجاجات 2010 وتحميلها بمطالب سياسية واجتماعية جذرية. وانضم إلى الاحتجاجات الأطباء الغاضبون من قانون جديد يفرض الكشف عن “السر البنكي” الذي سيجبرهم على دفع ضرائب أكبر.
واصطفت المئات من السيارات والشاحنات الجمعة حول مراكز التزوّد بالوقود، وذلك بعد دخول سواق الشاحنات التي توزع الوقود في إضراب سبق أن تأجل أكثر من مرة، لكن الحكومة لم تنفذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع النقابات.

وبداية من الاثنين ستشهد البلاد إضرابا عاما لموزعي قوارير الغاز الخاص بالاستعمال المنزلي، وقد تتسع دائرة الاحتجاجات على قانون المالية بسبب الإجراءات التي لا تهدف سوى لاسترضاء وكلاء الشركات الدولية الكبرى من خلال تأجيل الضرائب أو تخفيفها.
ولم تنجح ثماني سنوات من الثورة في كسب ود أي فئة اجتماعية، وبدا جليّا أن جهد الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة يهدف فقط لإرضاء المؤسسات المالية والدولية وتنفيذ إصلاحات مسقطة، ولا تستجيب لواقع اقتصاد مرهون للضغوط النقابية والمغالاة في المطلبية التي أسست لها مقاربة الدولة الوطنية منذ استقلال 1956، والذي جعل الدولة مسؤولة لوحدها عن تعليم الأجيال واستيعابها في الوظائف الحكومية، وهي مقاربة وضعتها دوما مثار غضب واحتجاج من الفئات الراعية لها.
ما الذي حملته الثورة من مزايا ومن استفاد منها إن لم نجد أي جهة تنتصر لها بشكل واضح، بمن في ذلك المحامون والإعلاميون والمدرسون، وتكون مستعدة للدفاع عنها والتظاهر لأجل الحفاظ عليها؟
والإجابة، هنا، تحيلنا إلى الأيام الأولى للثورة التي بدأت مجرد موجة غضب غير منظمة وبلا قيادة، وقامت بها مجموعات صغيرة من المهمّشين في الأحياء الشعبية للمدن، واستهدفت مقار السيادة ومؤسسات خاصة مثل البنوك ومغازات التسوق الكبيرة ذات الهوّية الأجنبية.
وقادت الاستهانة الرسمية بهذه الموجة، وخاصة التصدي العنيف لها، إلى توسعها ولحاق ممثلين عن الطبقة الوسطى بصفوفها مثل نقابات المدرسين والمحامين، وهي الفئات التي ألبست مطالب المنتفضين بالسياسة، وحولتها من مجال البحث عن مواطن عمل جديد، أو تحسين الخدمات والزيادة في المنح المخصصة للفئات المهمّشة إلى مطالب سياسية تخص العفو التشريعي الذي استفاد منه لاحقا منتسبون لتيارات إسلامية ويسارية كانت محظورة في عهد بن علي.
ولم يشفع لحاق الاتحاد العام التونسي للشغل بموجة الاحتجاج وتبنيها في الساعات الأخيرة التي سبقت رحيل بن علي في تعديل وجهتها، بل عمّق فيها البعد السياسي، وهذا منطقي لمنظمة قيادتها بمثابة مجمع لأحزاب أغلبها سرّية واتخذت من النقابات واجهة للي الذراع مع سلطة بن علي وقتها.

وقد استمر هذا الدور السياسي ما بعد الثورة بشكل حوّل الاتحاد إلى طرف مفصلي في تحديد مقاسات الانتقال السياسي دون أي تعديل لمقاسات الثورة أو كبح لسطوة الأجسام الليبرالية المسيطرة عليها.

وقد تم اختطاف الثورة وتجييرها لفائدة السياسيين، لتتحول تونس خلال ثماني سنوات إلى ساحة صراع من أجل تثبيت مصالح هذه الجهة أو تلك، فضلا عن استعادة المنظومة القديمة لنفوذها وتحويل القوى التي تقول بولائها للثورة إلى عناصر لاهثة في لعبة الاصطفاف بين شقوق تلك المنظومة.
من المفارقة أن “الثورة الجديدة” يتزعمها شق من المنظومة القديمة خسر البعض من أوراقه في لعبة الإمساك بمقاليد السلطة، وأن المجموعات الداعمة عبر بياناتها لاحتجاجات واسعة تعي جيّدا أنها تتحرك لتسليم مشعل “الثورة الجديدة” إلى المنظومة القديمة بشكل أو بآخر، في ضوء فشل المنظومة الجديدة في إدارة الدولة وتسليمها بالعجز عن العمل بشكل مستقل، فضلا عن الصدام الأيديولوجي بين مكوناتها، ورضاها بموقف المعارض، الدور الذي تتقنه في شكل وقوف على الربوة وإحصاء أخطاء الآخرين.
ويحذر المعارضون للاحتجاجات الجديدة، وهم في الغالب من أنصار رئيس الحكومة يوسف الشاهد أو من أنصار حركة النهضة، من أن هناك مسعى لإحداث انقلاب أو مؤامرة على الثورة، وعلى التجربة الديمقراطية، وأن الاحتجاجات التي ينتظر أن تقوى باقترابنا من شهر يناير، شهر الاحتجاجات التاريخية، هدفها تحضير المناخ الاجتماعي والأمني المتوتر الذي يشرّع للانقلاب.
هناك أسئلة محيّرة تطرح نفسها: لماذا يعود الناس إلى الشارع لتصويب مسار الثورة؟ لماذا تفشل الثورة في الدفاع عن نفسها بين جمهورها؟ لماذا تستعد المدن الفقيرة المنسية التي احتضنت ثورة 2011 لتكون وقود ثورة 2018؟ أي مكاسب حققتها في وقت يكافح الناس للحصول على مواد غذائية أساسية؟ هل يكفي الثورة فخرا أنها وفرت الحرية السياسية ولو كان ذلك على حساب الفقراء والمهمّشين؟
من الواضح أن الثورة لم تحقق نتائج تجعل الفئات الشعبية تتمسك بها وتدافع عنها. يكفي التأكيد هنا أن الحكومات المتعاقبة كان همّها الأول الحفاظ على بقائها، وأنها كانت تلجأ إلى الإغراءات في كل مرة لامتصاص غضب الشارع..
هناك اتفاق تام بين المتابعين للشأن التونسي على أن حكومات ما بعد الثورة عملت على شراء صمت اتحاد hلشغل بالزيادات المتتالية لمنتسبيه، لكن مطالبه لا تتوقف، ما جعل مهمّة الحكومات هي استجلاب القروض والزج بها في اللعبة السياسية دون أي التفات إلى الطبقات غير المنتظمة في اتحاد الشغل خاصة بين الشرائح الفقيرة وعشرات الآلاف من العاطلين عن العمل الذين أثقلت الثورة كاهلهم بالزيادات المتواصلة في الأسعار بسبب محاولات الحكومة التغطية على الزيادات التي توفرها في الاسترضاء السياسي.
فكيف للحكومة الحالية، وحزامها السياسي، أن تقنع الفئات المتضررة من الثورة وسياستها في التبعية للصناديق المالية الدولية، ومسار الاقتراض العبثي، بعدم النزول إلى الشارع، والمطالبة بتغيير جذري للمشهد الحالي، وفرض ثورة جديدة بشعارات جديدة، وأولويات مختلفة عن أولويات السياسيين التي لم تنتج سوى نظام حكم مشوّه وبرلمان يثير أداؤه سخط الناس على الثورة.
لكن ما يثير المخاوف أن البدائل التي يمكن أن تفرزها “الثورة الجديدة” ليست أقل سوءا من المنظومة الحالية، بل هي جزء رئيسي في المنظومة الحالية، وأن الدعوات للتغيير الجذري لا تحمل مقاربة جدية لتغيير الرؤية الاجتماعية والاقتصادية للدولة.
الرغبة في التغيير الجذري، التي ما تزال خطواتها غامضة ومسترابة، تهدف إلى خلق مناخ يمكّن من إدارة الحكم بشكل يقصي الخصوم السياسيين، وأساسا الشاهد وحركة النهضة. لكن لا أحد يعلم عن الصيغ المخطط لها، أو النهاية التي ستفرزها مغامرة سياسية قد تنتهي بتحقيق أهداف منظميها سلميا، كما قد تقود البلاد إلى الفوضى.
هل ستعلق العمل بالدستور وتحل البرلمان والأحزاب وتؤسس لمرحلة انتقالية؟ وأي شكل سيكون عليه “الانتقال الثوري” الجديد: هل يتبنى الديمقراطية دون مشاركة الإسلاميين، أم سنعود إلى استنساخ دورة جديدة من لعبة الانتقال القديم بإعلان مجلس تأسيسي وفق مقاسات “ثوار ما بعد الثورة”.

ما هي البدائل التي تحملها “الثورة الجديدة” عدا استثمار الغضب الشعبي على سياسة التفقير الممنهجة التي سلكتها حكومات ما بعد الثورة بتزكية من البرلمان الذي يشارك فيه ممثلون فاعلون لدعاة “استكمال المسار الثوري” مثل نداء تونس والجبهة الشعبية وحركة الشعب.

ويظهر البعد السياسي جليّا في شعارات الداعين للتغيير، وهو ما بدا واضحا في المطالب الاثنين والعشرين لحركة “السترات الحمراء” التي عقدت مؤتمرا صحافيا الجمعة للإعلان عن نفسها، بأن حثت على ” تغيير النظام السياسي في تونس ليصبح رئاسيا”، وهو مطلب محوري في اعتقادها وسبب رئيسي في موجة الاحتجاج. ويطرح هذا مخاوف جدية من إعادة رهن الثورة للأجندات السياسية.
والمطلب نفسه تكرر عند القيادي في نداء تونس ناجي جلول الذي قال الجمعة في حوار لصحيفة محلية، إن “النظام السياسي فصل بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة في إطار مشروع تفكيك الدولة الوطنية، فالنظام السياسي هو نظام تفكيكي”.
ليس المهم أن تستعمل الشارع لتستعيد السلطة وتثبت أنك الأقوى، المهمّ أن تكون موجة الاحتجاجات و”ستراتها” الملونة نتاجا حقيقيا للأزمة، وأن تعمل على تجذير الحلول بحثا عن تعديل المنظومة الليبرالية المتوحشة التي ارتمت في أحضانها طبقة ما بعد الثورة بيمينها ويساريها تحت مسوغ التكتيك والمناورة.
ويمكن لأي متابع أن يستنتج بيسر أن ثورة 2011 لم تفشل فقط لكونها لم تكن ثورة جذرية، ولكن، وهو الأهم، أن الطبقة السياسية التي ركبت موجتها كانت طبقة من الانتهازيين لم تكن تقيم وزنا لشعاراتها وأفكارها، واتخذتها مجرد ستار للعبور إلى سلطة تابعة ومرتهنة لوكلاء الداخل.
إن موجة الاحتجاجات نتيجة طبيعية لفشل طبقة الحكم ما بعد الثورة في إدارة البلاد وتقديم حلول لأزماتها الهيكلية، وليست مؤامرة مدفوعة الأجر من الخارج، كما يروّج جمهور الإسلاميين، حتى وإن تقاطعت فيها مصالح السياسيين مع مطالب الفقراء والمهمّشين والطبقة الوسطى التي أكلتها ليبرالية متوحشة تضخمت وانتفخت تحت حكم “الثوار” الذين لم يكن يعنيهم سوى استمرارهم في الواجهة سواء بالحكم أو في المعارضة.

مختار الدبابي – كاتب وصحافي تونسي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.