أنسنة #الاختلاف الديني، ضرورة حضارية

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 4 janvier 2019 - 4:59
أنسنة #الاختلاف الديني، ضرورة حضارية

العالمُ عبارة عن منتدى لحضارات متعاقبة أو متزامنة، والإنسانيةُ واحـدةٌ، أما اختلافُها وتمايزها إلى أمم وشعوب وأديان وثقافات متعددة، فهو سنّة كونية، وقانون من قوانين الوجود، وهذا التعدد والتنوع الاثني والثقافي والاجتماعي واللغوي والديني بين الأمم والشعوب والمجتمعات، يؤدي بطبيعة الحال إلى الاختلاف العقائدي والفكري، وفي نمط العيش، وفي النظرة إلى الحياة، ولكن بمستويات متفاوتة، إلا أنه في أغلب الأحوال كان جوهر الاختلاف دينيا، … لماذا ؟


ـ أن مبرر ظهور الاختلاف الديني شيئان: 


• الأول: أن النصوص المقدسة التي هي ثابتة لا تتغير، تحاول أن تحكم واقعاً متغيراً، متجددا،  » فالوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص » كما يؤكد ذلك معظم الفقهاء .
• المبرر الآخر: أن النصوص المقدسة تحملها لغة، وهذا بحد ذاته سبب لاختلاف الفهم والتلقي التأويل. 
ـ إذن: الاختلاف هنا أمر متوقع حيثما وجد التعامل مع نص مقدس، بسبب طبيعة النص المقدس نفسه، ذلك لأن ـ هذا النص ـ يُكتب وُيروى ويتناقله الناس بلغة تتخذ سمة الإجمال والإشارة والرمز، لذلك تتعدد التأويلات، وتتباين درجات الاجتهاد والقياس للوقائع والأحداث المتجددة، في مقابل النص الثابت المجمل العام، وكل هذا يؤدى إلى اختلاف في الفهم، وفي الاستيعاب، والتأويل بين المجتهدين، ومن البديهي أن يظهر ويلتف حول كل مجتهد أتباع، فتتبلور نواة المدارس الفقهية (المذاهب). 
أما عن شرعية هذا الاختلاف فهي مكفولة أيضا من مصدرها الأول، النص المقدس نفسه، في نصوص واضحة صريحة لا مجال فيها للتأويل أو الاجتهاد، نذكر بعضها كما وردت في القرآن الكريم، قال تعالى شأنه: ـ  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً  المائدة 48 ـ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ  سورة الروم22 .
أما الحاكم في جدل العلاقات ـ أيا كان مآل الجدل ـ فقولُهُ تعالى:ـ … قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً .الإسراء84. ونتيجة لتفاوت القدرات الإنسانية، كان التفاوت في الأرزاق وفي التراتبية الاجتماعية، قال تعالى: … نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ سورة الزخرف 32 .

ـ أين تكمــــــن المشكلة إذن؟

 
ولماذا يقع كل هذا الخلاف، ومن ثم التكفير والصدام والعنف الدموي والحروب الطاحنة، بين المختلفين دينيا وعقائديا، بعد كل هذا الوضوح في النصوص المقدسة، فضلا عن وضوح السنن الكونية في تنوع الخلق وتعدد ألسنتهم وألوانهم وثقافاتهم وعقائدهم؟ 
لقد اهتم الكثير من المفكرين والباحثين في موضوع هذه الأديان والمذاهب والملل العديدة ووصفوها في (كتب الأهواء والملل والنحل)، إلا أنهم ما كان بإمكانهم أن يتحرروا من النظرية اللاهوتية القائلة (بالدين الحق) من جهة، وبالنحل والأهواء (الضالة) من جهة أخرى، ولم تزل تلك النظرة الدوغمائية تتحكم في الذهنية المعروفة بالطائفية، فكل طائفة تدعي أن دينها هو الحق، وبالتالي أنها الفرقة الناجية، والأخرى هالكة ضالة.

ـ شاعت هذه النظرية في اليهودية والمسيحية والإسلام، وقد أيدت وما تزال تؤيد وتعطي المشروعية لحروب متتابعة متجددة في كل زمان ومكان،( نشهد منها في أيامنا هذه، وبكل مرارة وأسف شديد ـ ومنذ سنوات خلت ـ فصولا مؤلمة، وحروبا مستعرة، في كل من العراق واليمن وسوريا وليبيا، فضلا عن حوادث قتل وإرهاب وتخريب في بقاع أخرى متعددة من العالم الإسلامي).
ومن الملاحظ أن الحداثة الفكرية وعقل الأنوار الذي دعا إلى التسامح وحارب العصبية الدينية والطائفية والدوغمائية، فشل في تعميم (الأنوار) الحديثة والتخلي عن ذهنية (التحريم) أو (التكفير) والحروب الدينية وإحلال (الأنسنة)، المتفتحة محلها، وهي ذهنية تدافع عن حقوق الإنسان، وتحرير العقل البشري، من الاضطهادات، والقمع والظلم!! والسر في ذلك أن العقل الحديث لم يتخذ بتعاليم الأنثروبولوجيا الحديثة (علم الإنسان)، وإنما اكتفى منذ القرن التاسع عشر بالغرب وحصر نفسه فيه؛ بينما بقي الفكر الإسلامي أبعد ما يكون عن الفكر الأنثروبولوجي، بالمعنى الواسع، مع أنه لدى المسلمين تراث غني بهذه المعاني الإنسانية، تراث موثق في كتب السيرة الأولى، يتغنى به فقط، ويردده الخطباء والمتحدثون في شؤون الدين دون أن يترجم إلى برامج عمل أو منهج في السلوك، حتى لدى المتحدثين أنفسهم. 
من هذا المنطلق تأتي أهمية التأكيد على ضرورة دراسة العلم الأنثروبولوجي (الأنسنة) وتدريسه، ابتداء من رياض الأطفال مرورا إلى الدراسة الابتدائية، وعموم مراحل التعليم، فضلا عن تفعيله لدى مؤسسات التنمية المجتمعية الأخرى، فهو الذي يخرج العقل من التفكير داخل السياج الدوغمائي المغلق إلى التفكير على مستوى أوسع بكثير، أي على مستوى مصالح الإنسان، أي إنسان كان، وفي كل مكان.
أن العلم الأنثروبولوجي يعلمنا كيفية التعامل مع الثقافات الأخرى بروح متفتحة متفهمة، وضرورة تفضيل المعنى على القوة أو السلطة، ثم تفضيل السلم على العنف، والمعرفة المنيرة على الجهل المؤسساتي . وإذا ما تم الإجماع الكامل على هذا التوجه المعرفي فلا بد من الشروع بالمراجعة الشاملة التي تمتد إلى الكثير من ممارساتنا ومفاهيمنا وخطاباتنا الدينية والثقافية بل الفقهية أيضا، فالدعوة إلى الواقعية، وقبول الآخر، وتقديم خيارات الاعتدال والتسامح، إنما تشكل مطالب ضرورية لابد من اعتمادها في تعامل بعضنا مع بعض، وفي علاقتنا بالآخر المختلف .
******

عبد الحكيم الكعبي – الحوار المتمدن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.