إشكالية العلاقة بين الدين والعنف

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 28 septembre 2018 - 6:22
إشكالية العلاقة بين الدين والعنف

في دراسة بحثية قام بها كل من تشارلز فيليبس (Charles Phillips) وآلان أكسلرود (Alan Axelrod) مؤلفا موسوعة الحروب (Encyclopedia of Wars)، حاولا عبرها الوقوف على الدوافع الحقيقة وراء ما يقارب ألف وثمانمائة حربًا من الحروب الكبرى التي وقعت على مدار التاريخ الإنساني، وعليه توصلا إلى نتيجة مفادها أن حوالي 123 حربًا فقط كان لها علاقة بالدين بين مباشرة وغير مباشرة، أي أقل من 7% منها، وأن 2% فقط من مجموع قتلى هذه الحروب ماتوا في حروب ذات صبغة دينية.


ومن ثم أكدا أن توجيه الاتهام دائمًا للأديان فيما يحدث من عنف في هذا العالم هو أمر مجافٍ للواقع وللتقصِّي العلمي الجاد، فقط كل ما يحدث هو التلاعب بالعقائد عبر توظيفها سياسيًا وأيديولوجياً في كثير من الصراعات والحروب.
فبفعل السياسة في أغلب الأحيان تحول الدين من (الوردة) إلى (السكين)، من كونه دعوة للسلام إلى إعلان حرب، وأصبحت الصراعات الكبرى في العالم تتسربل بالدين في حين أنها بالأساس صراعات سياسية جرى إقحام العقائد الدينية فيها.
لقد حاولت كارين أرمسترونج الباحثة المتخصصة في تاريخ الأديان في كتابها »حقول الدم »، تفكيك تلك المعضلة ومن ثم توصّلت إلى قناعة مؤداها أن الدول الكبرى وعلى مر التاريخ اتخذت من الدين ذريعة لتبرير عنفها وإضفاء صبغة دينية عليه من أجل شرعنته باعتبارها حاملة لمهمة مقدسة، ومن ثم ترفض كارين بشدة المقولة المتواترة بكثرة لدى الغرب والتي تقول: »إن الدين هو سبب جميع الحروب الكبرى في التاريخ ».
فالحقيقة التي راكمتها الخبرة التاريخية هي أن أكثر الحروب دموية لم تكن دينية، لعل المثال الأكثر حضوراً هو الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وإذا كانت الحملات الصليبية قد انطلقت باسم الدين؛ فإنها كانت ذات دوافع سياسية واقتصادية في جوهرها، هكذا الحال في معظم الحروب التي رفعت راية الدين.
ومن ثم ترى أرمسترونج أن تفشي الإرهاب والعنف في العصر الحديث في كثير من بقاع العالم، هو بالأساس نتيجة للسياسات الغربية الظالمة تجاه الآخر وعدم عدالتها، ولعل الصراع العربي الإسرائيلي هو أصدق مثال على ذلك.
وبالمجمل تؤكد أرمسترونج أن المجتمع الدولي وجد كبش فداء ليحمل كل خطاياه، وهو الدين، مثلما الطقس اليهودي القديم إذ كان الكاهن يضع يده على رأس كبش فتنتقل إليه كل آثام الأمة اليهودية وتتحرر من خطاياها.
وحول الأسباب الحقيقية وراء الحروب والعنف على مدار التاريخ تؤكد كارين أن الاستبداد السياسي هو السبب المركزي متماهية بشكل كبير مع ما طرحه العلامة والمفكر العربي الكبير عبد الرحمن الكواكبي فقد وضع هذه الإشكالية كأم المشاكل، فالاستبداد السياسي هو أصل كل داء لديه، يقول الكواكبي في جملة لا تخلو من عبقرية: » الاستبداد السياسي هو أصل الداء ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية ».


ولكن ما الذي تقترفه يد الاستبداد من موبقات من شأنها أن تصبح سبباً في اندلاع الحروب وتصاعُد العنف؟


الحقيقة أن الاستبداد هو مناخ جيد لنمو الأفكار المتطرفة، فإحساس بعض القوى والتكتلات داخل المجتمع بالمظلومية والاضطهاد نتيجة عدم استيعابها داخل النظام السياسي هو أمر من شأنه أن يقودها لاتخاذ ذلك كذريعة لتبني العنف منهجاً، كما أن الإستراتيجية الثابتة لدى المستبدين هي إعلانهم الحروب الخارجية وتوريط شعوبهم فيها تهرباً من إخفاقات الداخل، من هنا ينبثق العنف من رحم الأنظمة الاستبدادية.
ولكي تكتسب تلك الحروب مزيداً من المشروعية تجد هؤلاء الحكام المستبدين وقد أضفوا عليها مسحة دينية باعتبارها حروباً مُقدّسة جاءت استجابة لأوامر إلهية، فتلك هي بعض من مفاسد الاستبداد ونتائجه الكارثية على مقاصد الأديان إذ تحولت الأديان بفعله من دعوة للمحبة والسلام وقوة دفع إيجابية لصالح البشرية لأيديولوجية قتل وحرب ودمار.
يقول الدكتور علي شريعتي:  » إذا استُغِلّ الدين من قِبل السلطات الحاكمة لحفظ مصالحها فستحصل أسوأ فاجعة يُسحق فيها الإنسان في الأنظمة المعادية للإنسانية ويصبح الدين شهيدًا في سجلات التاريخ « ، مؤكداً من خلال تأملاته في التجربة الإسلامية أنه بفعل السياسة تم إهدار المقاصد الحقيقية للأديان وفي القلب منها التسامح.
من هنا أهمية إعادة ترسيم الحدود الفاصلة بين الدين والسياسة لوأد محاولات التلاعب بمقاصد الأديان- سواء من قِبل الأنظمة المستبدة أو جماعات العنف والتشدد الديني- ومن ثم تأكيد الجانب الإنساني التراحمي بها، والذي هو في الحقيقة جوهر الدين وأطروحته المركزية، يقول فيلسوف التسامح جون لوك بهذا الشأن: « الذين يضطهدون الآخرين باسم المسيح إنما هم في حقيقة الأمر يتنكرون لتعاليم المسيح  » بكل حمولتها الإنسانية الرائعة، مؤكداً أن  » التسامح هو المعيار الأعلى للكنيسة الحق ».
فبدون ذلك المسعى لن يتحقق السلام على الأرض، وهو ما يدفع باتجاهه هانز كونج Hans Kung إذ يؤكد أنه  » لا سلام بين الأمم بغير سلام بين الأديان  » وهو السلام الذي لن يتأتى إلا عبر استدعاء مخزون التسامح الكامن في عمق النسق الديني، ذلك المخزون الذي همّشته الأصوليات المتطرفة ومن ثم أنتجت أنماطاً دينية اتخذت من العنف منهجاً فبررت دموية الوسائل بحجة سمو الغايات، وعلى الأتباع الانصياع التام لقانون الجماعة المتطرفة دون أدنى اعتراض فقد ارتضوا لحظة انضمامهم لتلك الجماعة بأن يخلعوا إرادتهم الحرة على عتباتها.


لقد ألقت تلك الأطروحات بالإنسان في هوة العدمية، وجعلته كائناً مسلوب الإرادة كريشة في مهب الريح، في حين أن الأديان جاءت لتضع الإنسان أمام مسؤولياته وخياراته التي وهبها له خالقه. 


من هنا، وكما يذهب البعض، فقد باتت الحاجة مُلِحّة إلى دراسة وتحليل الأسباب الحقيقية وراء سيادة هذه الأنماط الدينية في نسختها العنيفة والتي أقصت الإنسان عن دوره التاريخي كما حدده له خالقه، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم والتوظيف الخاطئ للدين سواء عن قصد في بعض الأحيان أو دون قصد في أغلبها.
لا مفر إذن من إحياء النزعة الأخلاقية الكامنة في عمق النص الديني والتي جرى تهميشها، يرى الطبيب والفيلسوف الألماني ألبرت إشفايتزر أن المستقبل سيكون للأديان الأخلاقية التي من شأنها أن تُظهر انحيازًا أكبر لحقوق الإنسان واحترام كرامته وتأكيد حريته، في حين أن كل دين – أوكل نمط ديني لتكون الجملة أكثر انضباطاً – يقف ضد هذه القيم الأخلاقية الإنسانية سيكون مصيره الخفوت ومن ثم التلاشي والفناء، إذ لن يكون بمقدوره مسايرة وتلبية تطلعات البشرية وما يمليه الواقع من مستجدات لانهائية.
وبالعودة للدين واختطافه باتجاه العنف فمن المهم أن ندرك أن أيديولوجيات العنف الديني (كداعش وأخواتها) ما كان لها أن تحقق هذا الانتشار الهائل إلا عبر قراءة الدين قراءة خاطئة ومنحرفة، إذ عبر إتّباع إستراتيجية الإحلال والإزاحة أزاحت تلك القراءة القيم والرؤى الإنسانية التراحمية النائمة في أعماق النسق الديني وفي بؤرته المركزية وأحلت مكانها أطروحات العنف والتشدد ونفي الآخر بإطلاقه ليتمحور الدين حولها ويدور في فلكها فقد جرى استيعابه داخلها وأصبح لا يُفهم إلا من خلال أيديولوجيتها العنيفة والمغلقة، وإنه ليس من مخرج من هذا المأزق إلا بإعادة إحياء هذه القيم الإنسانية في الدين وردّها مرة أخرى ردًا جميلًا لمكانتها المركزية.
والحقيقة أن التوظيف الخاطئ للأديان ليس هو ما يجب أن نوجِّه إليه اللوم وحده فيما آل إليه مصير البشرية، بل إن المُدان الأكبر هو الحضارة الغربية بما أفضت إليه من قيم مادية أفقدت الإنسان أبعاده الروحية، وعلى ما يقول ماكس فيبر:  » الحضارة الغربية حاصرت الإنسان في قفص حديدي وسرقت روحه « ، فالغرب، وكما يذهب فيودور ديستوفيسكي، دمرته أشياء ثلاث: سيادة القيم المادية النفعية، وضمور الحــس الخلقي، والتمركز حـول الذات في مقابل احتقار الآخر، وهو ما يدفع باتجاهه ين فو(yen fu) إذ يذهب إلى أن التقدم الغربي بلغ قمته في أربعة أمور: الأنانية، قتل الغير، فقدان الاستقامة، قلة الإحساس بالخجل.
ويمكن هنا أن نتحدث عن أطروحتين مركزيتين أديتا إلى هذا الانحراف في الحضارة الغربية وهما: أطروحة فلسفة القوة كما نظَّر لها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة وعمدت النازية في نسختها الهتلرية إلى إنزالها على الواقع، وأطروحة البقاء للأقوى كما عمّقها الداروينيون كمقولتين تأسيسيتين للحضارة الغربية إذ جعلتا من العنف مكوناً بنيوياً في إصدارها الحديث ونسختها الراهنة، بل أصبح العنف هو المحرك الوحيد لعجلة التاريخ.
فالحضارة الغربية وعلى الرغم من كل منجزاتها التي لا ينكرها عاقل إلا أنها وبحسب ما يذهب إليه عبد الوهاب المسيري قد اغتالت روح الإنسان بتمركزها حول المادة والقيم النفعية وتجاهلها لأبعاده الروحية، كما ارتكبت من البشاعات الشيء الكثير، ففرغت قارة من سكانها (أمريكا الشمالية)، واستخدمت قارة كعبيد (إفريقيا)، وقارة كمصادر للمواد الخام (آسيا) وأشعلت حروبًا عالمية أفنت الملايين، ومن ثم تأسس نظام عالمي يستند إلى القيم البرجماتية ولا يعرف المثاليات أو المطلقات الأخلاقية.
فها هي البشرية وقد طارت بجناحين: أحدهما عملاق وهو التقدم المادي، والآخر قزَّمته صراعات طويلة وأطروحات إقصائية وهو التقدم الروحي فاختل الطيران وكادت أن تسقط.
فهي إذن بحاجة لخطة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا الروح التي قوضتها مرحلة ما بعد الحداثة فسقط الإنسان في غياهب العدمية وفقدان المعنى، إذ أن كل تقدم مادي يتطلب تقدمًا روحيًا يفوقه أو على الأقل يساويه لتستقيم المسيرة الإنسانية.
وفي التحليل الأخير فالادعاء بأن الدين هو السبب وراء العنف والحروب في هذا العالم، هو ادعاء يفتقد لأي أساس علمي بحثي، فالحقيقة المجردة أن للحروب والعنف أسباب عدة يأتي على رأسها: الاستبداد السياسي، التوظيف الخاطئ للدين لصالح أطماع اقتصادية أو سياسية أو لأجل إنفاذ أطروحة أيديولوجية ما، أضف إلى ذلك العنف البنيوي المتمركز في صلب الحضارة الغربية وفي عمق نسقها الفكري.
ومن ثم فإن إدعاء المفكر الفرنسي رينيه جيرار بأن العنف وُلِد من رحم المُقدّس هو إدعاء قد جانبه الكثير من الصواب، فمحاولة تقديم الدين قرباناً على مذبح السببيّة وتوريطه في علاقة مباشرة مع العنف هي محاولة حتماً لابد أن يكتنفها الفشل، فالظواهر الإنسانية(العنف واحدة منها) هي ظواهر معقدة وتتداخل فيها عوامل عدة، فقط تختلف تلك العوامل في درجة تأثيرها في تلك الظاهرة بين رئيسية وثانوية، وهذا ما سنحاول سبر أغواره في مقالة قادمة.

محمد عمارة تقي الدين – الحوار المتمدن-العدد: 6007

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.