الأردن.. الأسعار تعيد المعارضة إلى الشارع

مشاهدة
أخر تحديث : lundi 5 février 2018 - 10:56
الأردن.. الأسعار تعيد المعارضة إلى الشارع

تطل نهاية « مربعانية » الشتاء في الأردن، وقد اكتوى الناس من البرد الشديد، والارتفاع غير المسبوق للأسعار، بعد قرارات الحكومة التي طاولت أخيراً 157 سلعة، وصولاً إلى الخضر والفواكه (بينها البصل)، لكن أهم ما رفع سعره هو الخبز الذي لطالما ظلّ هاجساً يطارد الحكومات، ويصيبها بلعنة مسّ النعمة واللعب بقوت الفقراء، لكن أن يأتي الرفع من حكومة هي الأضغف لدى العامة والنخب، وفقاً لاستطلاعات الرأي الأردنية في العقدين الأخيرين، فذلك يدعو إلى السؤال أيضاً عن المعوّل عليه من أي تحرّك شعبي ضد سياساتها، ومدى نجاحه في تكرار حادثة العام 1996، حين ثار الناس ضد حكومة عبد الكريم الكباريتي التي رفعت أسعار الخبز.


وفقاً لتعديل »السقوف السعرية » للخبز، حسبما أحبت صحيفة الحكومة، الرأي، أن تصف القرار، تجنباً لذكر كلمة « الرفع »، تحسباً من غضب الحكومة أو وزير الإعلام، صارت أسعار الخبز بين 35-40 قرشا. وعلى الرغم من أن الحكومة وزّعت الدعم المالي المقرّر مع كشوف الراتب للشهر الأول من العام الجديد، إلا أن صحوة المواطنين جاءت مباشرة، ولم تنتظر فوات الوقت، فارتفع الصوت في الشارع بالدعوة إلى رحيل الحكومة ومجلس النواب الذي عقد جلسة لمناقشة الأسعار، وخصصها لأسعار الأدوية، بعد أن تدخل الملك، وأوقف شمول الأدوية بقرارات رفع الأسعار.
النواب والحكومة اليوم مطلوب رأسهما من الشارع، وفي حال عاد الحراك قوياً، ومع إشارة الملك، في حديثه في ذكرى عيد ميلاده لطلاب الجامعة الأردنية، أنه يمارس الضغط من فوق على الحكومة، وقوله: « على المواطنين ممارسة الضغط من تحت »، فإن الفهم العام للشارع التقط إشارة الملك، واعتبرها إذناً بإسقاط الحكومة والنواب، خصوصًا أن الملك اعتبر، في اللقاء نفسه، عدد النواب كبيراً ومعيقاً للحركة، وأنّ مجلس الثمانين نائباً أفضل.

ويجري هذا الأمر، بعدما كشفت رسائل مكتوبة من النواب إلى رئيس الحكومة تحت القبة، وفي أثناء مناقشة قرارات الرفع، عن هشاشة المجلس وضعف كثيرين من أعضائه، بما يعني أن رئيس الحكومة الموصوف بـ « المتعالي » و »المتكبر » وغير المعترف بوجود مساكين ومساتير (ومسخّمين) في البلد، لا يرى البلد إلا جيداً، ولا يعرف مفاصل المجتمع.

الحكومات فشلت، منذ عقدين، في إيجاد مشاريع وطنية كبيرة، وتاهت بين رؤى غائمة

إضافة إلى ذلك الاغتراب بين الحكومة والشعب، حملت بداية شهر فبراير/ شباط الجاري دعوات إلى إطلاق مسيرات احتجاجية بدأت في مدينة السلط، تنديداً بنهج الحكومة الجبائي، لتتبعها في اليوم التالي مسيرات في الكرك ومعان والطفيلة وعمّان، وإذا كان الأمر قد عاد إلى الأطراف، حيث المدن الأكثر تأثيراً في السياسة الأردنية، ومخرن البيروقراط والمحافظين العتاة والعشائر حيث القاعدة الولائية، والأحزاب اليسارية أيضاً، فإن على الحكومة والمطبخ السياسي تحسّس الرأس جيداً، خشية أن يطول أمد الحراك. قد تراهن الحكومة الأردنية على أن ربيعاً أردنياً لا يمكنه النجاح، أو لم يعد ممكناً، لكن الخطورة اليوم في الأردن أن الحصار المفروض على البلد، وفقا لتحولات المنطقة، بات ينهش في عيش الناس وخبزهم، والأخطر أن الحكومات فشلت، منذ عقدين، في إيجاد مشاريع وطنية كبيرة، وتاهت بين رؤى غائمة. واليوم حين يقول الملك، في لقاء طلبة الجامعة الأردنية والنواب، إن على المسوؤل الفاشل أن ينسحب، فإن الناس يسألون عن آلية اختيار القادة والوزراء وأسسه. وحين يقول الملك إن القرابات تتحرك عند محاسبة أي مسؤول، فإن الناس يسألون عن محاسبة الليبرالبين الذين خرّبوا وأفسدوا في القضاء والمؤسسات العامة، وخصوصا شركة الفوسفات، ويطلبون جلب صهر الملك، وليد الكردي، المحكوم والهارب.
ليس التقصير في الحساب هنا مسؤولية الملك، بل البرلمانات والأجهزة الرقابية، فثلاث شخصيات حوكمت وحوسبت من وزن ثقيل، كان الملك هو من تابع الدفع بمعاقبتها، مدير المخابرات الأسبق، محمد الذهبي، وقبله مدير المخابرات الأسبق الآخر، سميح البطيخي، في بداية عهد الملك، وبعدهم جاءت محاكمة وليد الكردي صهر الملك، وحينها قال الملك « لو كان ابني مخطئا يجب محاسبته »، وهناك المسؤول عن شركة موارد التي استثمرت في مشروع العبدلي ومباني القيادة العامة، أكرم أبو حمدان.
في العودة إلى الحكومة والشعب ومجلس النواب، ثمّة أزمة راهنة تكمن في غياب حلقة الوصل بين الشعب والبرلمان، وفي ضعف المجلس النيابي وغياب الأحزاب الفاعلة. وفي هذا انحدار سياسي عميق، والعقل السياسي للدولة بات مقتنعا أن لا قدرات لرئيس الحكومة في مواجهة النواب والحوار معهم، وأنه قد يُدخل البلاد في أزمةٍ في أي وقت وأي مناسبة.
ضعف آخر يتبدّى في الفريق الحكومي، غير المتماسك، وبعد استقالة وزير النقل الخامس في حكومة هاني الملقي، والحديث عن تراجع الخدمات، باتت الورقة الوحيدة المتبقية هي الاستثمار بوزير الدولة لشؤون رئاسة الوزارء، الدكتور ممدوح العبادي، النقابي والبرلماني العتيد، والذي يبدو واضحاً أنه يأخذ مسافة جيدة عن الرئيس الذي قد يزعجه أي بروز للعبادي في النقاشات
« أزمة راهنة تكمن في غياب حلقة الوصل بين الشعب والبرلمان، وفي ضعف المجلس النيابي وغياب الأحزاب الفاعلة » العامة، مع أن الأخير أكثر قدرة وكفاءة على إدارة الحوار مع المعارضة، وأكثر خبرة في الشأن العام، وهو مجرّب حين كان وزيراً للصحة وأميناً للعاصمة وحين كان نائباً، عرف في محاربته الفساد، وحمله أحد أكبر الملفات المتعلقة بشركات الاتصالات وتراخيصها.
في المقبل من الأيام الأردنية، ومع التطورات الإقليمية أيضاً، واستعادة الشارع الفعل السياسي وبروز الأصوات الرافضة بقاء الحكومة، مع التقاط الشارع عدم رضا الملك عن حكومته، ومع تزايد الفقر وارتفاع البطالة، يبدو الأردن مقبلاً على تطورات دراماتكية، قد تصيب مواقع حساسة لا تنحصر في الحكومة وحسب.
في موازة ذلك، لا يتوقّع أن تحدث اختراقاتٌ جوهرية أو تغييرات في السياسات المالية التي ارتبطت بالبنك الدولي، باعتباره جهة مشورة وإشراف، لكن مواجهة غضب الناس قد تطيح الحكومة التي ستجر معها مجلس النواب إلى هاوية الرحيل.

مهند مبيضين – استاذ التاريخ العربي الحديث في الجامعة الأردنية، ويكتب في الصحافة الاردنية والعربية، له مؤلفات وبحوث عديدة في الخطاب التاريخي والتاريخ الثقافي، باحث زائر في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.