#الإسلاميون في مفترق التغيرات.. تبدد الحلفاء واختفاء سواتر المساندة

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 19 avril 2019 - 3:28
#الإسلاميون في مفترق التغيرات.. تبدد الحلفاء واختفاء سواتر المساندة

الأحداث الأخيرة التي اندلعت في الجزائر والسودان وليبيا، بينت أن المنطقة تتجه إلى مرحلة جديدة، قوامها وميزتها أن الإخوان في العراء السياسي، بلا حليف أو ظهير.

المشهد السياسي الراهن في المنطقة والعالم، أنتج حقائق جديدة على خلفية الحراكات السريعة في العديد من المناطق العربية، أنتج حقيقة مخيفة للتيارات الإسلامية، الإخوانية على وجه التحديد، وهي أنها باتت حقيقة في العراء بلا حليف. انتهت كل الدواعي المحلية والدولية التي حصل الإسلاميون بمقتضاها على حلفاء وشراكات ورهانات. تجربة الحكم الأخيرة لم تجلب لهم سوى العداوات والمشكلات مع كل الأطراف الداخلية والخارجية.
عندما قامت الثورة الإيرانية في العام 1979، سارعت العديد من القوى اليسارية والقومية العربية إلى تأييدها، بعد أن التقطت بعض المفاهيم الفكرية والسياسية التي تمثل حدا أدنى مشتركا مع الثورة. مفاهيم معاداة الإمبريالية و”الاستكبار العالمي” و”أميركا هي الشيطان” ومقاومة الكيان الصهيوني، لاقت رواجا كبيرا عن قوى تدعي التقدمية ولم تحسن قراءة الحدث الإيراني، بل كانت المنطلقات التي برر بها اليساريون مساندتهم أو تحالفهم مع الثورة الإسلامية، رغم الاختلاف الأيديولوجي الكبير.
لم يتوقف الإسلاميون بعد ذلك عن إنتاج أو تدبر الحلفاء. في تونس مثلا ذاع صيت تجربة 18 أكتوبر 2005، والتي عرفت بكونها “إطارا سياسيا” ضم عدة أحزاب وشخصيات تونسية، يسارية وقومية وإسلامية، دعا إلى “بلورة عهد ديمقراطي يكفل لكل المواطنين والمواطنات المساواة والحريات والحقوق الأساسية غير القابلة للتصرف أو الاستنقاص ويشكل قاعدة للمشاركة السياسية والتداول على الحكم على أساس تناظر وتنافس البرامج والرؤى وهو عهد من شأنه أن يرتقي بمستوى وحدة العمل إلى إرساء أسس التغيير الديمقراطي”.
مثّل صعود الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، العهد الذهبي للرهان الدولي على الإسلاميين. وكان الرهان مشتقا من قراءات سياسية من قبل شخصيات ومراكز بحوث توصلت إلى أن مقاومة الصداع الإسلامي المتطرف، لا تكون سوى بتلقيح العالم بمصل من نفس الجنس: قوى إسلامية “معتدلة” تسحب البساط من تحت الدعاوى الجهادية المتطرفة وتروج للديمقراطية وحقوق الإنسان. ولم يحتج ذلك الرهان إلى عقود طويلة كي يتبين قصوره وتسرعه وعدم إلمامه بتفاصيل المشهد العربي الإسلامي. صعود الإسلاميين على خلفية الثورات العربية التي بدأت في العام 2011، بيّن الكثير من الحقائق الخطيرة. بيّن أولا عجزهم عن تقديم نماذج رشيدة للحكم، وهو عجز ناتج عن افتقادهم لبرامج اقتصادية واجتماعية ناجعة. وأثبت ثانيا، أن المسافة الفكرية التي تفصل بين “الإسلام المعتدل” (المدعوم غربيا) ونظيره “المتطرف العنيف” (المخيف غربيا) هي مسافة واهية ومتخيلة. إذ كانا ينطلقان من نفس الأرضيات الفكرية والأيديولوجية، وكانا يمارسان اعتمادا متبادلا على المستوى السياسي؛ إذ رأى إسلاميو الحكم أن تيارات السلفية والتحرير وحتى بقايا القاعدة وبواكير داعش وقتها، كانت تمثل ظهيرا شعبيا واسعا. وكان إسلاميو التطرف يرون في الإخوان إمكانية سانحة لتطبيق الشريعة في واقع البلدان التي وصلوا فيها إلى الحكم.

صعود الإسلاميين على خلفية الثورات العربية بيّن عجزهم عن تقديم نماذج رشيدة للحكم وأثبت أن المسافة الفكرية التي تفصل بين “الإسلام المعتدل” ونظيره « المتطرف العنيف » هي مسافة واهية ومتخيلة

وخلال سنوات قصيرة بعد الثورات العربية، تبين للعالم الغربي الذي رأى في الإسلاميين، والإخوان تحديدا، حليفا محتملا من أجل مقاومة إرهاب متحقق، أن الرهان كان متسرعا.
وتظافرت عوامل كثيرة من أجل التوصل لهذه الحقيقة. العامل الأول كان قائما على حقيقة ازدياد منسوب الإرهاب في أوروبا والغرب عموما، بحصول عمليات إرهابية كثيرة في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وغيرها، ما بيّن أن المشكلة أعمق من مجرد رهان على جماعات إخوانية تصل الحكم وتتبنى المقولات السياسية الديمقراطية ومن ثم تحاصر التطرف بأن تسحب من تحته البساط، وكانت الحقيقة هي أن وصول الإسلاميين إلى الحكم وفر للتيارات المتطرفة انتعاشة في العمل والتحرك، وقرّب لها وهما مفاده أن اللحظة السياسية مواتية لفرض مقالاتهم. تظافر العامل الأول مع عامل ثان هو صعود تنظيم داعش بما قدمه من حقائق دامية ومرعبة في كل الأقطار العربية التي مر بها، بل توصل إلى نقل تجربته إلى أوروبا حين تبنى العديد من العمليات.
وكان وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب العامل الثالث الذي سرع من إعادة النظر في السياسات الأميركية الخارجية، ومن ضمنها النظر للإسلاميين. ولعل شعار “أميركا أولا” وبصرف النظر عن وجاهته في العديد من التفرعات السياسية والاقتصادية، كان يتضمن نقدا لاذعا للسياسات المتبعة من قبل أوباما، سواء في ما يخص إيران أو في ما يخص الإخوان والإرهاب والهجرة وغيرها من القضايا المتشابكة.

مرحلة جديدة عنوانها إنهاء مشروع الإخوان

وفي المستوى العربي الإسلامي الداخلي، كانت المدة القصيرة التي قضاها الإخوان في الحكم، في مصر وفي تونس أساسا، أو التي قضاها الإسلاميون يقودون الساحات والمعارضات للأنظمة القائمة، كافية لأن تتبين غالبية واسعة من القوى الشعبية، والقوى السياسية اليسارية والقومية التي كانت تقترب أو تتحالف سابقا مع الإسلاميين، أن هؤلاء لا قدرة لهم على الحكم، بل إن حرصهم على التمكين والهيمنة وتأبيد بقائهم في السلطة أكثر أولوية عندهم من كل الاهتمامات والمشاغل الوطنية. أضيف إلى هذا العامل الداخلي الأول، عامل آخر تمثل في سلسلة طويلة من الاغتيالات والعمليات الإرهابية التي حصلت في تونس ومصر وليبيا وغيرها، والتي استهدفت المعارضين والمسيحيين وكل من يصدع بصوته معارضا للإسلاميين.
لم تعد المنطلقات الحقوقية التي كانت تدفع القوى اليسارية والقومية والديمقراطية عموما، إلى مناصرة الإسلاميين، صالحة أو سارية المفعول. وتبددت بفعل سنوات الحكم التي بينت أن الإسلاميين لا يستثنون في إقصائهم حليفا أو خصما، وأنهم يمارسون توزيعا عادلا للعداء على الجميع. هنا انفضت الشراكات المتسرعة، خاصة بعد أن أودت التحالفات التكتيكية الانتخابية التي أجراها الإسلاميون مع بعض القوى السياسية (في تونس مثلا) بكل حلفائهم في منحدر سحيق.

المنطلقات الحقوقية التي كانت تدفع إلى مناصرة الإسلاميين، لم تعد سارية المفعول وتبددت بفعل سنوات الحكم التي بينت أن الإسلاميين لا يستثنون في إقصائهم حليفا أو خصما

الأحداث الأخيرة التي اندلعت في الجزائر والسودان وليبيا، بينت أن المنطقة تتجه إلى مرحلة جديدة، قوامها وميزتها أن الإخوان في العراء السياسي، بلا حليف أو ظهير. انتهى الرهان الدولي، مع مجيء ترامب وإعلانه إيقاف العمل بالرهانات الأوبامية القاصرة، ومع تفطن أوروبا إلى أنها معنية بشكل كبير بالصداع الإسلامي، بل تعتبره مشغلا داخليا على غرار الأقطار العربية.
وتقلصت إمكانيات التحالف الداخلية مع تعرض كل القوى التي تحالفت يوما مع الإسلاميين، ولو من منطلقات حقوقية مبدئية عامة، إلى شظايا الإسلاميين. وتفطنت القوى الشعبية إلى عدم جدارة الإسلاميين بالحكم، وكانت الأحداث الأخيرة في السودان دليلا مضافا على عمق الخراب الذي أحدثه هؤلاء.
ما تبقى من المشهد يمثل ورطة سياسية بالغة للإسلاميين، الذين إن عادوا إلى أشقائهم من السلفية والتحرير وبقية التيارات الإسلامية الراديكالية فإنهم يثبتون المساحات المشتركة التي تجمعهم بهم، وسيضعون أنفسهم بالتالي في مرمى نيران العالم والشعوب. وعمليا سيكون الاختيار صعبا بين مواصلة العمل السياسي المدني أو الجنوح إلى تسليح المرحلة القادمة وتفخيخها. وإن أصروا على التمايز عنهم، مواصلة للادعاء بمدنيتهم فإنهم سيتضاءلون إلى أحجام محدودة وسيركنون مجددا إلى مظلوميتهم القديمة.

عبدالجليل معالي – كاتب وصحافي تونسي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.