الإنتهازية والإستبداد : بين الكواكبي ودي لابويسيه

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 5 juin 2018 - 11:06
الإنتهازية والإستبداد :   بين الكواكبي ودي لابويسيه

اعتبر المفكر النهظوي السوري الشهير عبدالرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الإستبداد” بأن الإنتهازية والنفاق من أخطر الأمراض الإجتماعية الناتجة عن الإستبداد الذي يدفع بالبعض إلى التملق للسلطان إما  خوفا على مصالح أو تحقيقا لمطامع و”أكل أموال الناس بالباطل” – حسب التعبير القرآني-..


اعتبر المفكر النهظوي السوري الشهير عبدالرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الإستبداد” بأن الإنتهازية والنفاق من أخطر الأمراض الإجتماعية الناتجة عن الإستبداد الذي يدفع بالبعض إلى التملق للسلطان إما خوفا على مصالح أو تحقيقا لمطامع و”أكل أموال الناس بالباطل” – حسب التعبير القرآني-، وعرف التاريخ الإسلامي ظاهرة الشعراء المتزلفون للسلاطين مقابل دريهمات معدودة، بالرغم من أن رسولنا الكريم )ص( يأمرنا بضرب المتملق بالتراب، فالإنتهازية من الأمراض الإجتماعية الأشد فتكا بالأمم والدول، وكتب عن خطورتها حتى النازي العنصري هتلر، ففي بعض الأحيان حتى المجانين والمجرمين يقولون أشياء جميلة وحكيمة، ومنهم هتلر الذي يقول في كتابه “كفاحي” كلاما وجيها عن أخطار الإنتهازيين على الأمم، وحملهم مسؤولية إنهيار ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، والجميل في كلامه تصنيفه ألمان بدايات القرن 20 إلى ثلاث، وهم الوطنيون الخلص والخونة الواضحين، لكنه لايرى الخطر الأكبر في هؤلاء الخونة، بل في صنف ثالث هم الإنتهازيون الذين يميلون إلى أين تميل القوة، ويختم تصنيفه بالقول “أنه كلما تكاثروا في أمة سارت تلك الأمة إلى الهلاك”، وكأني به ينقل قول الله تعالى في كتابه الكريم عن المنافقين الذين وضعهم في الدرك الأسفل من النار، لكن هل كان هتلر يدرك أن أغلب مطبليه سينقلبون عليه بمجرد ما ينتهي كما يقع لكل المستبدين؟.
عرف شعبنا إنتهازيين كثر في تاريخه، فكانوا سببا رئيسيا في إستعباده، فلم تبق فرنسا 132 سنة في الجزائر إلا بهذا الصنف من الناس، فمثلا في العهد العثماني كان الحكام يستغلون شعبنا بتقسّيمه إلى صنفين هما قبائل المخزن وقبائل الرعية، فالأولى تقاتل الثانية لجلب الضرائب للحكام العثمانيين مقابل إعفائها من دفع الضرائب، وهي تقريبا نفس الضرائب المجحفة التي فرضها الاستعمار الفرنسي فيما بعد، لكن بشكل أبشع، فدراسة ممارسات قبائل المخزن تساعدنا على فهم جذور ومظاهر الانتهازية في جزائر اليوم، فهذه القبائل التي خدمت الحكام العثمانيين هي نفسها التي عرضت خدماتها على الاستعمار الفرنسي بمجرد ما رحل أسيادها العثمانيون بالأموال المنهوبة من شعبنا، وهي نفسها التي كانت تغيّر مواقفها من الأمير عبد القادر حسب ضعفه وقوته، وكانت أحد أسباب فشل مقاومته الباسلة بعد ما ساهمت في حصاره، ومنها برزت هذه الانتهازية في جزائر اليوم، والتي فتكت وتفتك بأمتنا، فتطبّل لكل قوي حتى ولو كان أجنبيا، لأنها تحرّكها البطون لا المباديء، فهي “بني وي وي” في العهد الاستعماري و”بني نعم” بعد1962، يطبلون لكل الرؤساء والسياسات رغم التناقضات الحادة فيما بينها مقابل الإستفادة من الريوع، وينتقلون من النقيض إلى النقيض، ويركبون كل المراكب دون حياء.
لايوجد أحسن من كتاب “مقالة في العبودية المختارة” للفرنسي أتين دي لابويسيه المنشور في1568 لفهم هذا الصنف من الناس، وكيف تستعبد وتستغل بواسطتهم الشعوب، فقد طرح صاحبه سؤالا جوهريا منذ أكثر من خمسة قرون، ويقول فيه: هل بإمكان الفراعنة والقياصرة والملوك المستبدين وكل الطغاة فرض طغيانهم على الشعوب لولا قبول البعض تنفيذ كل ما يطلبونه منهم هؤلاء الطغاة حتى ولو كان ضد قناعتهم، ويقومون بذلك كله خوفا على منصب أو مال أو طمعا فيهما؟.
لكن لم تجب أوروبا على سؤال ثان طرحه دي لابويسيه حول كيفية الحد من الإنتهازية والقابلية للعبودية إلا بعد فترة طويلة بإبداعها نظامها الديمقراطي على يد فلاسفة التنوير كمونتيسكيو وجون جاك روسو وجون لوك وغيرهم، وذلك بوضع نظام سياسي يحد من طغيان كل سلطة، وذلك بحفظ التوازن بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، فكل سلطة تحد وتوازن السلطة الأخرى، وتمنعها من أي طغيان، فتسود دولة القانون، وينتهي التعسف والظلم في إستخدام السلطة، فلهذا قل الإنتهازيون في أوروبا لأن كل فرد محمي بالقانون والمؤسسات على عكس بلداننا الإسلامية التي تتكلم فقط عن أخلاق وقيم ومباديء عامة دون التفكير الجدي في وضع الميكانيزمات والآليات والمؤسسات العملية التي تحد من التعسف في إستخدام السلطة، فيقل بذلك عدد الإنتهازيين والمطبلين لكل قوي، وتسمح هذه الآليات والمؤسسات بأن يصدح كل حر برأيه، ويمتنع عن تنفيذ ما يخالف القانون وضميره دون خوف من عقاب أو مساس بحياته أو مصالحه الحيوية.

رابح لونيسي – جامعة وهران

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.