الجزائر: تحركات السفير الأميركي وصمت النظام

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 1 février 2018 - 10:00
الجزائر: تحركات السفير الأميركي وصمت النظام

صمت النظام الحاكم في الجزائر على تحركات السفير الأميركي المتناقضة مع أخلاقيات العمل الدبلوماسي يؤكد أن ما تبقى من مبدأ السيادة الوطنية بدأ يتفكك ويندثر.


أصبح السفير الأميركي الجديد جون ديروشر المعين مؤخرا في الجزائر من طرف إدارة الرئيس دونالد ترامب، يتصرف وكأنه من أهل الدار حيث تمكن في ظرف وجيز من تجاوز تقاليد العمل الدبلوماسي المعروفة والمطبقة على الجميع في العالم، وكذا أسلوب السفراء الأميركيين السابقين الذين عملوا بالجزائر بدءا من عام 1962 إلى فترة حكم اليمين زروال، وصار يوجه، عن طريق اللقاءات المباشرة أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، الرسائل المسجلة بالصوت مباشرة للشعب الجزائري وهو الأمر الذي لم تكن تسمح به السلطات الجزائرية للسفارات الأجنبية المتواجدة في الجزائر حتى في عهد الشاذلي بن جديد الذي تميز عن غيره من المسؤولين الجزائريين بالانفتاح على الولايات المتحدة الأميركية.
يبدو واضحا أن السفير جون ديروشر يعامل من طرف النظام الجزائري معاملة استثنائية، وأن بإمكانه إقامة العلاقات المباشرة مع المجتمعين الجزائريين السياسي والمدني معا وفقا للأسلوب الذي يختاره هو بنفسه. وهنا نتساءل هل صحيح أن هذا السفير الأميركي يريد من وراء اجتماعاته الماراثونية المكثفة مع أحزاب المعارضة وأحزاب الموالاة، فضلا عن لقاءاته المتكررة بوزراء آخرين وبشخصيات سياسية واجتماعية جزائرية، أن يتعرف فعلا على الخارطة العامة للدولة الجزائرية، وأن يطور العلاقات الثنائية بين البلدين، أم أنه يسعى إلى تحقيق هدف أكبر وأخطر يتمثل حقيقة في السعي بطرق ملتوية إلى خلق مناخ يسمح له في المستقبل بالتكوين التدريجي للوبي الجزائري الذي يرعى المصالح الأميركية؟ ألا يترجم ترحيب النظام الجزائري بتحركات السفير الأميركي الخوف من أميركا والخضوع لسفيرها الذي يحرف العمل الدبلوماسي الذي تتمثل أهم ركائزه في حصر الممارسة الدبلوماسية للسفير مع المسؤولين المحليين والمسؤولين على الأجهزة الرسمية التابعة للدولة، وعدم تجاوز ذلك إلى إقامة الاتصالات المباشرة مع المواطنين والمواطنين؟ علما أن النظام الأميركي نفسه يمنع على السلك الدبلوماسي الأجنبي بأميركا التدخل في الانتخابات الأميركية وفي الحياة السياسية ذات الصلة بالقواعد الشعبية.

هذا الصمت من طرف النظام الحاكم في الجزائر على تحركات السفير الأميركي المتناقضة مع ثقافة وأخلاقيات العمل الدبلوماسي يؤكد أن ما تبقَى من مبدأ السيادة الوطنية بدأ يتفكك ويندثر.

لا شك أنه من حق السفراء القيام بالنشاطات التي تربط الصداقة بين بلدانهم التي يمثلونها، وبين مواطني البلدان التي يعينون فيها كسفراء، ولكنْ هناك فرق كبير بين الفعل الدبلوماسي الهادف إلى بناء الدعائم المادية والرمزية للصداقة بين الشعوب من جهة، وبين الفعل السياسي المقنع بأقنعة الدبلوماسية الناعمة التي تسعى في الحقيقة إلى تحقيق الهيمنة بوسائل وتقنيات الرضا.
من الملاحظ أنه بمجرد وصول هذا السفير إلى الجزائر قام بتفعيل عدد من اللقاءات مع زعماء أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها الأحزاب التي تلبس لبوس العلمانية ومع أحزاب الموالاة التابعة للنظام، فضلا عن الوزير الأول، أحمد أويحيى، ورئيس البرلمان الجزائري السعيد بوحجة.
في هذا السياق شكا له بعض قادة هذه الأحزاب من دكتاتورية النظام الجزائري وانفراده بالحكم، فضلا عن استخدامه للغش في مختلف الانتخابات التي شهدتها البلاد، وقد برز هذا بشكل خاص في اللقاء الذي جمع بين السفير دوريشر وبين أمين عام حزب طلائع الحريات علي بن فليس.
النظام الجزائري لم يتخذ أي موقف من تحركات السفير الأميركي، وبالعكس فإن أقطابه الفاعلين، يعتبرون هذه التحركات فعلا مطابقا للأعراف الدبلوماسية وليس تدخلا في شؤون البلاد الداخلية. وصرح السفير دوريشر بأن “اهتمامه مرتكز على نقل الصورة الحقيقية للجزائر باعتبارها بلدا مهما في شمال أفريقيا”. وفي الحقيقة فإن التبريرات التي يقدمها السفير الأميركي ما هي إلا قناع للتغطية على القوة الغليظة التي تهدف هذه اللقاءات إلى تحقيقها عن طريق الشكل الظاهري للقوة الدبلوماسية الناعمة التي تتستر بها تحركاته.

أزراج عمر – كاتب جزائري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.