الحرية فعلا مؤلما

مشاهدة
أخر تحديث : lundi 23 avril 2018 - 10:59
الحرية فعلا مؤلما

الحرية عبءٌ لا يحتمله كثيرون، فعندما تدرك أن العالم غير مبالٍ بإرادتك، سوف تتواطأ الرغبة مع الخيال على قهرك، إذ ليس هنالك فعلٌ يحقق التوازن بينهما.


العالمُ يقسو على من يسرفون في أحلامهم، فعالم اليوم هو عالم التكسير والتهميش، وأنت تبالغ حد الجنون، وتراهن على أنّ التاريخ لن ينسى شخصاً مذعوراً أضاع حيواته من أجلِ أن يطلعَ صبحاً واحداً ليس فيهِ دمٌ ظالمٌ ودمُ بريء.
يخبرك سجناء سياسيون في الوطن العربي أنهم وجدوا حريتهم في السجن، هنالك من بكى ومن أضاع الطريق وأراد بشدة أن يعود إلى السجن، بعدما أطلق سراحه، إذ لماذا تصدمنا هذه المفارقات المؤلمة؟ وكيف يصبح الخارج أغلالاً وقيوداً لن تستطيع استئصالها من داخل سجينِ عاد مجازاً إلى حريته؟
المفارقة هنا معكوسة، فالسجن في طبيعته تقييدٌ للمكان والغرائز، ورقابة على الزمن، أولئك الذين يراقبونك وأنت تتنقل بين الجدران والمهاجع وأماكن العمل ويحددون لك وقت كل شيء، كيف تصبح حياة بعض هؤلاء الرقباء أكثر حريةً من حياة الخارج؟ لربما كانت قيود الخارجِ أكثر تعقيداً، ثم ما هذه الحياة التي لا ينكسر قيدها إلا بالموت، ألسنا على قيد الحياة؟

بعيداً عن الصراعات العسكرية التي أنتجتها الثورات في المشهد العربي، هل يمكننا أن ننكر جانب الحرية الذاتي المرفوض من فئات واسعة من المجتمع، هنالك أناسُ يضيق صدرهم من فكرة التحرّر، بل إنهم يسعون، بكل ما في أرواحهم من قسوةٍ، لتقديس صورة الزعيم أو البسطار العسكري، فهل ممارسة الحرية تجلب الألم لأصحابها؟

قدم فلاسفةٌ عديدون أجوبةً تحاول أن تحفر في ضمائر هؤلاء المستعبدين الخاضعين، إذ يقول إريك فروم ما معناه إن هذا الضمير التسلطي تم غرسه من الخارج ومنذ الطفولة حتى أنغل في « ضمير » الفرد.
ذلك الصوت الصرف للذات، ما أسهل أن يتلوث بالخوف ثم يقولون إنها الطاعة والخضوع الملون بالاحترام، والالتزام بالأوامر المموه بالواجب، وحرية العمل المقيدة بالمصلحة، والنجاح الموسوم بالطرقِ الواضحة، يستحوذ ذلك كله على ضميرك من مائدة العائلة إلى مائدة السلطة الأعلى في البلاد، مروراً بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، حتى في الحب هنالك سيدٌ وعبد، بعض النساء يتخلين حتى عن حقهن في اختيار اللون الذي يحببن إن لم يعجب السيد الذي يسمّى مجازاً شريك المستقبل.
المتمردون على ضميرهم المستعبَد، حين تسنح لهم الفرصة، يصبحون هم الوحوش الحقيقيين، هم المهددون بأنّ عليهم أن يحملوا على عاتقهم عاقبة قرارهم في أنّهم اختاروا طريقهم من دون أن يبلغوا أسيادهم عن شكل الحرية الخارجة عن القانون، فالحرية هي حيث يكون القائد والسلطة. أما الحرية الخارجة من القيود فهي الخوف، هي الشلل الكلي للحركة، هي عدم القدرة على اتخاذ القرار، وهي انعدام السعادة التي لا تستحق الكفاح من أجلها، ثم لماذا لا يقبلون الاستسلام، ومن قال إن الاستسلام هو نقيض التحرر، أليس استسلام المحبوب لمحبوبه يضمن له الاستقرار في العلاقة والحب وحرية الطعام والعمل والتوالد؟
أما الخروج عن القيود فهو الخشية نفسها، إذ يبدأ صراع الفئات الصالحة في ضميرها التسلطي مع الفئات الضارة في ضميرها التسلطي، فالأولى تكتسب شرعيتها من قيودها وتختبئ وراء العقلانية القطيعية والميل نحو الاستقرار. والثانية تكتسب شرعيتها من استنهاض الهمم والرغبة في عدم الفناء الإنساني. تبقى الأولى ثابتة وتتبدل الثانية وتتحول وتدخل في أنفاقٍ مظلمة، قد تودي بها إلى الهلاك، وتجعلها في عداد المجموعات الإنسانية المفقودة، وفي أحسن الأحول تحيلها إلى ثباتٍ أكثرَ قسوة، وكذلك هو الطوفان يحاول أن يجتاز الحدود ويحطم السدود، لكنه ينتهي دوماً عند سدٍ ما، سدٌ يريد أن يعيد سيرتك الأولى، ولكن ضمن قوالب أخرى، عليك أن تلعن معها اللحظة التي تمرد بها ضميرك، لكي يوعز إليك بتلك الكلمة: حرية.

أحمد عزام – فلسطين

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.