الشباب المغربي ورحلة البحث عن الحياة

مشاهدة
أخر تحديث : mercredi 10 octobre 2018 - 5:03
الشباب المغربي ورحلة البحث عن الحياة

تعددت الأوصاف، بين الهجرة السرية والهجرة غير النظامية والهجرة غير الشرعية، لكن المعنى واحد، وهو ما اصطلح عليه إعلاميا بـ » قوارب الموت »، وهي تسمية للتعبير عن ظاهرة اجتماعية عرفها المغرب منذ سنوات طويلة، لكنها تراجعت خلال العقد الأخير، ثم عادت مرة أخرى، إلى واجهة الأحداث..


تعددت الأوصاف، بين الهجرة السرية والهجرة غير النظامية والهجرة غير الشرعية، لكن المعنى واحد، وهو ما اصطلح عليه إعلاميا بـ » قوارب الموت »، وهي تسمية للتعبير عن ظاهرة اجتماعية عرفها المغرب منذ سنوات طويلة، لكنها تراجعت خلال العقد الأخير، ثم عادت مرة أخرى، إلى واجهة الأحداث، بعد ارتفاع عدد حوادث إنقاذ مهاجرين وغرق آخرين، وهي ظاهرة تكشف عن وجود أزمة اجتماعية عميقة، من أبرز مظاهرها ارتفاع نسبة البطالة والفقر والهشاشة والفوارق الاجتماعية والمجالية، هذه الأزمة دفعت كثير من الشباب المغربي إلى التفكير في الهجرة بأي ثمن، حتى لو كانت رحلة ركوب البحر إلى الضفة الأخرى، تجري في ظروف خطيرة، تهدد حياة هؤلاء الشباب، لكن في ظل انسداد الآفاق، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وانتشار الرشوة والزبونية والمحسوبية في مجال الولوج إلى سوق الشغل، يضطر بعض الشباب للمغامرة بحياته، بحثا عن فرص حياة أفضل في الخارج.
وإذا كانت الهجرة غير القانونية عبر البحر المتوسط توصف بـ » قوارب الموت »، بالنظر لما تصاحبها من مخاطر، وما تُسفر عنه في كثير من الأحيان من موت جماعي لشباب، سُرق منه الحلم والأمل في تحسين ظروفه داخل البلاد، فإن هذا الشباب يراها « قوارب حياة »، حتى لو كانت نسبة نجاته ووصوله إلى شاطئ الأمان ضعيفة، فهو يعتبر نفسه في حكم الميت، ما دام بدون شغل ولا آفاق مستقبلية، لا سيما إذا كان يعاني منذ سنوات من البطالة والفقر والعجز عن تغيير واقعه المادي والاجتماعي، ويقارن بين ظروفه وظروف بعض الشباب الذي حالفه الحظ للعيش في الخارج، خاصة مع الثورة الرقمية والمعلوماتية، التي فتحت أمامه مجالا أرحب للتواصل وتبادل المعلومات والتجارب، وفي هذا الصدد أشار التقرير الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المتعلق لـ2017، إلى أن « الولوج إلى هذه التكنولوجيات، يمكّن المواطنين من إجراء مقارنات بين مستويات عيشهم ومستوى عيش فئات أخرى من المجتمع.. هذه المقارنات تجري أيضا حيال ظروف العيش في الخارج ».
وقدّم التقرير تشخيصا صريحا وصارما لواقع الأزمة في المغرب، حيث أكد على أن معضلة البطالة لا زالت تؤّرق الشباب المغربي، وتمنعه من الاندماج في الحياة الاجتماعية، معتبرا أنه « لا يـزال الشـباب يعانـون مـن صعوبـات كبيـرة فـي الحصـول علـى منصـب شـغل.. كمـا يفـوق معــدل بطالــة الشــباب 40 فــي المائــة فــي الوســط الحضــري، وتُحيــل هــذه الوضعيــة علــى التأثيــر المحــدود لمختلــف برامــج إدمــاج الشــباب، كمــا تُبــرز ضــرورة اعتمــاد رؤيــة شــمولية ومندمجــة علــى المـدى الطويـل فـي مجـال تشـغيل الشـباب ».
هذه الوضعية رصدتها عدة تقارير دولية ووطنية سابقة، والتي أجمعت على أن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية ذات طبيعة مركبة، ولها أسباب متعددة، وهي ليست وليدة اليوم، وإنما محصلة لفشل المشاريع والبرامج والمخططات المتعلقة بالتنمية على مدى سنوات طويلة، إلى أن وصلت البلاد إلى هذه الوضعية غير الطبيعية، والتي تضرر منها أغلب فئات الشعب، مما جعلته يعاني من صعوبات العيش، وتدهور في جودة الحياة الاجتماعية.
وأمام هذه الظروف الاجتماعية البئيسة، أصبح الشباب الذي لا يجد فرصا للشغل، يضطر إلى مزاولة بعض الأنشطة التجارية البسيطة أو العمل لدى شركات خاصة بأجر ضعيف، لا يكفيه حتى في تغطية مصاريفه الشخصية، بالأحرى أن يفكر في تكوين أسرة وبيت، وهذا ما دفع هؤلاء الشباب إلى التفكير في الهجرة « الشرعية » و »غير الشرعية »، بعدما أُغلقت في وجهه كل الطرق المؤدية إلى الارتقاء الاجتماعي، ولأن أكثر هؤلاء الشباب لا يتوفر على إمكانيات الهجرة القانونية، فإنه يجد أمامه الطريق الوحيد هو « الهجرة السرية »، التي عرفت هذه السنة نشاطا كبيرا، رصدته وسائل الإعلام الوطنية والدولية، وتابعته وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد دفع هذا الارتفاع الأخير في قوارب الهجرة السرية من المغرب نحو أوروبا، المسؤولين الإسبان إلى زيارة المغرب، واللقاء بالمسؤولين المغاربة من أجل تشديد المراقبة على الحدود المغربية، ومواجهة شبكات الهجرة غير القانونية، وطرح مقترح جديد يخص ”الهجرة القانونية”.
وكان تقرير للاتحاد الأوروبي حذر من ارتفاع الهجرة السرية عبر المغرب، سواء بالنسبة للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، أو المهاجرين المغاربة الذين عادوا بكثافة لركوب « قوارب الموت » صوب السواحل الإسبانية، وسجل التقرير ارتفاع عدد المهاجرين المغاربة لإسبانيا، إذ احتلوا المرتبة الأولى بمعدل 17 في المائة.
إزاء هذه الوضعية الصعبة، جدّد الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب الذي يوافق 20 غشت، التأكيد على  » ضرورة وضع قضايا الشباب في صلب النموذج التنموي الجديد »، و »إعداد استراتيجية مندمجة للشباب، والتفكير في أنجع السبل للنهوض بأحواله ». « ولكن قبل كل شيء، يجب أن نفتح أمامه باب الثقة والأمل في المستقبل … ».
فهل ستكون لمضامين هذا الخطاب، وللتقارير المنجزة في هذا الباب، مجال لتنزيلها على أرض الواقع، وإيجاد حلول عاجلة وناجعة لمشاكل الشباب قبل فوات الأوان؟

فؤاد الفاتحي – موقع لكم

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.