العرب هل كانوا مجرد بدو غزاة

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 9 mai 2019 - 8:49
العرب هل كانوا مجرد بدو غزاة

بخصوص إنبعاث حضارة ما فإن (توينبي) يعزف عن الفكرة التي تذهب إلى تفوق عرق ما وتفرده بصنع الحضارة . إن حضارة ما في مكان ما هي صناعة مجموعة من الأعراق. كل حضارة لها علاقة بنوة بحضارة سابقة لها. فالحضارة الإسلامية هي محصلة إندماج حضارتين العربية والفارسية مضافا إليهما اليونانية ,وهما معا يرجعان إلى الحضارة السورية التي ترجع بدورها إلى الحضارة السومرية.

ويرى توينبي ان من بين إحدى وعشرين حضارة فإن ستة منها فقط كانت قد إنبعثت من الحياة البدائية وهي (المصرية, السومرية,المينوية, الصينية,المايانية, الأنديانية) والأخيرتان تنتميان للقارة الأمريكية الجنوبية طبعا, اما المينوية فهي حضارة أوروبية يونانية نشأت بداية في جزيرة كريت في العصر البرونزي في الألف السابع قبل الميلاد.
وقضية العرق الصافي لا محل لها في تاريخ تلك المناطق التي شكلت معابر إستراتيجية في مجابهة أخطار الطبيعة والإنسان. هنا يبرز المشهد التالي الذي يتقاطع مع حكاية أن العرب كانوا قد إستعمروا بلادا كسوريا والعراق وطردوا سكانها الاصليين, من سومريين وفينيقيين او ما شاكل.
صحيح أن (الفتح) إعتمد في البداية على العنصر العربي من سكان الصحراء, لكن من اليقين ان نذكر اولا أن عرب الجاهلية الذين إنضموا إلى جيش أبو بكر وعمر بن الخطاب لم يكونوا جميعا من البدو ساكني الصحراء بل كانت نسبة كبيرة منهم من سكان الحواضر التي وصلها الفتح الإسلامي من الجزيرة العربية. لكن ثمة حقيقة يجب ان نقف امامها بإهتمام وهي إن كثيرا من العرب كانوا قد إستوطنوا العراق ومصر وسوريا والشمال الأفريقي قبل البعثة النبوية. وعليه يصبح القول إن العرب كانوا قد إحتلوا هذه البلدان وسلبوها من أهلها (السومرين أو الفينيقين أو الفراعنة) بحاجة إلى مراجعة جدية مسؤولة وبعيدة عن الإسقاطات التوظيفية.
من جهن أخرى قد توحي مفردة (الجاهلية) بالمستوى المتدني من الثقافة لكنها في الحقيقة كانت أتت تعبيرا عن الجهل بالإسلام وليس لها علاقة بقضايا العلم والفن والأدب. إن حياة العرب في المدينة ومكة كانت حافلة بمستويات متقدمة نسبيا من التحضر الذين إكتسبوه على الأقل من إختلاطهم بالشعوب الأخرى أثناء رحلاتهم التجارية (رحلة الشتاء والصيف). وتكشف لنا قضية هجرة المسلمين الأوائل من (مكة) عن تآلف وتفاعل مع سكان (المدينة) الاصليين, ولولا مستويات الذكاء والثقافة التي يتمتع بها أولئك المهاجرين وفي المقدمة منهم النبي محمد (ص) لما تقبل سكان المدينة ان يتصدر مقامهم اولئك المهاجرين وأن يختاروا النبي حكما وحتى قائدا لهم.
وإذا ما صدقنا حكاية إن الإسلام ليس دينا سماويا وأن كلام القرآن هو من وضع رجل وننفي قضية الوحي والتنزيل نكون عندها قد مشينا بارجلنا إلى الحقيقة التي تؤكد على أن رجلا بهذا المستوى من التفكير ومن الرؤى لا بد وأن يكون على مستوى كبير من العبقرية التي لا يمكن أن تكسبه إياها حياة الصحراء الخاوية -حسب الإدعاء- إلا من قيم الغزو والتصحر.
ويوم يدخل على المشهد (الثقافي) البعيد عن قضية الوحي معلمين من أمثال ورقة بن نوفل والراهب بحيري فلا بد للعقل حينها ان يصدق بوجود حالة حضارية أهلت محمدا وصحابته الأقربين لإنتاج فكر وثقافة على هذا المستوى. ثم ماذا عن ورقة والبحيري نفسه ألم يكونوا عربا مسيحيين مضافا عليهم مئات من الشعراء والحكماء الذين يعجز الحاضر العربي بكل وسائله الثقافية عن إنتاج أشباههم إلا في ما ندر.
أما قضية قريش وتسيدها للكعبة قبل الإسلام فتكشف لنا عن تبلور مستويات ثقافية أهلت اصحابها لكي يكونوا أسيادا على قبائل من الصعب إحصائها. ويخبرنا تاريخ تلك الفترة عن وجود مؤسسة أقرب إلى التشكيلة الوزارية المتعارف عليها حاليا وكان فيها وزيرا للحرب ووزيرا للسقاية وآخر لبيت المال.
وهكذا فإن الصورة التي تحذف هذه المشاهد هي ليست بعيدة عن قصص التجديف والتدليس التي يهمها أن تقذف العنصر العربي في قعر من الجهل والتخلف وحتى التوحش, وهي قصص عنصرية تقابلها على الطرف العربي قصة (خير أمة أخرجت للناس) وكأنما المقصود بالأمة هنا العنصر العربي الذي لم يكن تشكل كأمة في الوقت الذي نزلت به هذه الآية, في وقت يذهب فيه أكثر المفسرين إلى أنها, أي الآية, كانت قد إختصت بالمجموعة التي هاجرت مع الرسول من مكة إلى المدينة.

جعفر المظفر – الحوار المتمدن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.