العلاقة بين النص ودلالاته

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 28 juillet 2018 - 5:13
العلاقة بين النص ودلالاته

لا شك أن النص ككيان بنائي منعزل عن وجود الناص هو فكرة تحمل في طياته دلالة كما تحمل في الدلالة هدف، والهدف في الأخر نتيجة حتمية لتطبيق النص على الشكل الذي جاء في سياقات بنائه، لو أخذنا نصا دينيا وجردناه من عامل الأنتساب إلى المصدرية…


لا شك أن النص ككيان بنائي منعزل عن وجود الناص هو فكرة تحمل في طياته دلالة كما تحمل في الدلالة هدف، والهدف في الأخر نتيجة حتمية لتطبيق النص على الشكل الذي جاء في سياقات بنائه، لو أخذنا نصا دينيا وجردناه من عامل الأنتساب إلى المصدرية وأردنا أن نستنطقه فسيؤدي بنا إلى مجموعة من الدلالات والقضايا القصدية سواء أكان القارئ مؤمنا بالنص أو بخلافه، فهو يحمل معه ذاتيا تلك المقاصد والدلالات نفسها، الفرق هنا أن من يؤمن بالنص كونه ديني ملزم به، أما المخالف وإن وصلته الفكرة بتمامها فقد يعتبرها نوعا من المعرفة الإنسانية المجردة.
هنا يجب التفريق بين النص ومعناه وبين النص والدلالة وبين النص والقصدية كطريق أولي لمعرفة علاقة النص أصلا بالناص، ونبدأ من النهاية عندما يخرج النص بالصيرورة من كونية الناس ويتحول إلى كيان مستقل، يعني أن وجود النص وعدمه لا يرتبط بوجوب وجود الناس ولا من عدمه، يبقى النص حرا في فضائه الخاص ويمارس دوره بحدود ما فيه من وظيفة وأيضا بوجود أو عدم وجود الناص، تبقى قضية أن النص ذاته عبارة عن فكرة وإرادة أو رؤية الناص وهي تحما في ثناياه وجوده، هذا لا يعني أنه غير متصل به، بل تعني أن هذا الكائن الذي خرج من عبائته محملا بأشياء نسميها معان ودلالات ومقاصد هي التي ترتبط بالناص وليس النص مجردا ببنائيته اللفظية.
فالمعنى بتعريف بسيط هو جوهر التعبير الذي سيلتقطه القارئ من النص كرد فعل أولي، مثال (إن الله يأمر بالعدل) هنا يفهم القاري أن رغبة ألهية صدرت بألتزام العدل كطريق للمؤمن، هذا المعنى المباشر هو الذي يحمله النص ببنائه، ولكنه يشير فيه من جهة أخرى إلى أن الله هو الذي يريد المعنى هذا وليس النص مجردا، فالمعى هو شرح وجهة نظر الله (الناص) حصرا وقد مررت للمتلقي من خلال شكلية النص، وهو ما سيرتسم مباشرة في ذهن القارئ وهو أول محاولات فهم إدراك النص.
أما الدلالة فهي أيضا تحمل شكلية الصورة التي يبتغيها الناصمن النص وليس النص أيضا بأختلاف مفهوم الدلالة ذاتها، والتي أسهب فيها علماء اللغة من شرح في موضوع الدلالة، ولكن الأهم في موضوع الدلالات وأرتباطها بالمعنى من جهة وبالنص من جهة أخرى هو ما يعرف بالسياق أو طريقة أستنباط الدلالة من تنوع المعاني للكلمة (النص) الواحدة أو الجملة مركبة، هذا واضح جدا فيما تتناوله المدرسة السياقية التي تعتني بفهم الدلالة ليس كنتاج للنص وحده لكن من خلال ما يتضمنه السياق الذي ترد فيه في أماكن أخرى تتعلق في ذات الموضوع وتتصل به،(وصرّح زعيم المدرسة السياقية فيرث( )Firth، بأن المعنى لا ينكشف إلا من خلال تسييق الوحدة اللّغوية أي وضعها في سياقات مختلفة، وعليه فإنّ دراسة دلالات الكلمات تتطلب تحليلاً للأنماط السياقية والطبقات المقامية التي ترد فيها، فمعنى الكلمة يتحدّد وفق السياقات التي ترد فيها »( ).
لا بد لنا وإكمالا للفهم لا بد أن نرد نصا يبين علاقة النص بالدلالة وأرتباطه بفكرة الناص ما جاء في الآية التالية مقارنة في نص أخر وردت فيه نفس الكلمة، {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرّ}سبأ14، كلمة خر هنا تدل على الموت من خلال سياق كامل النص التي وردت فيه الكلمة وهو سياق جزئي، في حين أن نص أخر لا نجد نفس الدلالة مع كون الكلمة ذاتها وردت فيه، {حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء}الحج31، الدلالة السياقية التي تجمع في النصين إذا ليس الموت هو الدلالة العامة، ولكن السقوط من حالة صورية تؤيد فيه ظاهرا ما يؤيد البقاء إلى حالة كشف سلبية تناقض الظاهر وهو هنا السياق الكلي أو الأجمالي.
ما يعيب على علماء اللغة والتفسير والتأويل عندما أشاروا إلى مفهوم السياق في دراساتهم القديمة أنهم ذكروا مفهوم السياق وتعمقوا في دراستهم، لكنهم من جهة أخرى أعطوا تصنيفات مزدوجة من فبيل السياق الجزئي والعام، تفريقا في ذات الدلالة على أعتبار أن السياقين مختلفين في المقاصد، هذا العيب يتجلى كما لم يتجلى في دراسات العالم البريطاني جون فيرث في أن الخاص يفسر المخصوص وليس بما فيه أنه أحد مصاديق العام، لذا جعل التصنيف إجمالي كلي يمكن أن يطبق على المخصوص في كل مرة وإن كان جزئيا، فخر في نص (ما دلهم) يشير إلى سقوط المقصود فيه من حالة تصور للملاحظ عنه بأنه في حال أخر مناقض للنتيجة التي أل إليها (الخر)، فيمكننا أن نستخدم الأجمالي بدل الجزئي دون أن نختلف أو تتغير النتيجة.
لو نعامل المفسرون والمتأولون وألتزموا بمفاهيم السياق الأجرائي كاملا في محاولة فهم دلالات النص، لما ظهرت التناقضات التي وردت في تفاسيرهم والتي جرت لاحقا إلى الكثير من الأضطراب في النتائج وخاصة في فهم الأحكام التشريعية والتي بدورها أسست لما يعرف بالمذاهب الفقهية اللاحقة التي تحولت إلى كيانات متضادة داخل فكرة الإسلام كدين، يقول الدكتور ابو محمد مسعود من الجزائر في هذا الصدد (يؤخَذ على مفسرينا وعلمائنا أنهم لا يلتزمون بالسياق دائماً على الرغم من وعيهم بدوره في التفسير، ولعل ذلك راجع إلى تعدد الأدوات المعرفية التي استخدموها في التحليل، إذ لم يكن السياق هو الأداة المنهجية المهيمنة بل كانت تزاحمها أدوات أخرى من العلوم الأثرية والمنطقية »( ).
إذا المشكلة ليست في معرفة مفهوم السياقات للكشف عن الدلالات ولكن بطريقة أستخدامه في التعبير أيضا عن القصديات أو المقاصد، وهي الخلاصة الحكمية أو التقريرية التي يريدها الناص عبر أستخدام النص لذلك، على أن السياق التعبيري عن الدلالة لا يمكن النظر إليه منفردا من خلال أليات إدراكه ولكن أيضا من خلال الظروف المحيطة به والمستوجبه لحضوره، فهناك الذاتي في السياق الأجمالي وهناك أيضا الموضوعي المتعلق بالخارج عن النص، من ذلك ما نستقرأه من النصوص التي تشترك في الدلالات لكنها أيضا تفترق من حيث الظروف الحولية الموضوعية، فالذاتي هو ما لا يخرج عن حدود العبارة اللّغوية بكينونتها النّصية، وهذا النوع يتضمن من القرائن النّصية اللّفظية والمعنوية ما يرشد إلى مراد المتكلم من الخطاب، أما الموضوعي فيراد به ظروف الخطاب وملابساته الخارجية والتي تشتمل على الطبقات المقامية المختلفة المتباينة التي ينجز ضمنها الخطاب، والتي سميت بسياق الحال أو المقام وتترد هنا عبارة (لكل مقال مقام)، وهذا النوع يشتمل على القرائن الحالية التي تسهم في الكشف عن المراد، ومنها ما سمّاه المفسِّرون بأسباب النزول وغيرها.
تبقى المشكلة الأساسية التي يعاني منها المتدينون خصوصا والعامة عموما هو أستخلاص المقاصد من المعاني والدلالات، وهنا وقع الأختلاف ليس لأن النص بذاته عاجز عن توضيح قصد الشارع، بل لأن تحصيل المقاصد كونها متعلقة بإرادة الشارع وحده أختلفت وتنوعت تبعا لمقدمات القراءة ومناهجها وأيضا فيما تنوع من فهوم أعتباطية للمعنى أولا وبالدلالة ثانيا، فالقصد عموما هو أخر ما يمكن أن نستقرءه ونستنبطه من ذلك، وكل هذه الأختلافات تثبت أن النص منعزلا عن النتيجة ومعزولا عن الناص مستقل بذاته، لأن المعاني والدلالات والمقاصد التي يحملها تعود للعلاقة المباشرة بين الناص والمتلقي فقط.


إذا النص مستقل ببناءه دون فكرته ودلالاته وبعيدا عن مصدريته على أساس ما يحمل من فكرة محددة، لو أخذنا الآية التالية وطبقنا هذا المفهوم سنجد أنه ينتج ذات الدلالة والمقصد في كل مرة يطرق فيها الواقع، {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}النحل90، فالدلالة والقصد هنا هو هو والواقع يبقى ذاته دون أن يتأثر النص بالمصدر أو الغاية منه.


إذا ما يتضمنه النص من معان ودلالات ومقاصد مرتبط بوجوده كبناء له خصوصية الأنتاج المستمرة ما ليتغير شكل البناء أو يتطور فينتج ما يغير فيه من دلالات ومعان، يبقى الموضوع الأهم وهو ما نسميه بالمتحول الفهمي قبال الثابت البنائي أن المفاهيم التي تشكل ذلك البناء هي التي تتحرك في فضاء التغير والتبديل لوحدها كونها ترتبط بتطور المعرفة من جهة وتطور وسائل إدارك هذه المعرفة وتغير حالات الوعي، فمثلا مفهوم العدل والإحسان الواردة في النص السابق هي التي تغيرت وتطورت من عهد الرسالة إلى يومنا هذا، فالعدل الذي يفهمه السلف يأت حسب المفسر الديني بمعنى ((إن الله يأمر بالعدل) التوحيد أو الإنصاف (والإحسان) أداء الفرائض أو أن تعبد الله كأنك تراه كما في الحديث) .
أما العدل الذي نستكشف اليوم لا يتعلق بهذه النتيجة التي حددها المفسر وإن كانت من بعض مصاديقه، فالعدل هو أن تضع الأشياء في موضعها دون أن تحتاج إلى زيادة لتكمل النقص، ولا نقص للوصول إلى التمام، أي العدل بمعنى أخر تطبيق كامل الواجب على كامل المستوجب له دون تدخل بالموضوع، فالتوحيد الذي قاله السيطوي في تفسيره جزء من حقيقة تبدو اليوم جزء من مفهوم العدل حين لا تشرك أو لا تؤمن بأن لله جزء ناقص يحتاج إلى أضافة، ولا معه زيادة في حاجة إلى حذف أو تنقيص حسب ما يؤمن الإنسان به على أن الوجود كله متحرك ضمن فاعلية واحدة لا يمكن بأي حال قبول نقيضها لما تؤدي إلى نسف النظام الكوني الواحد، البعض يؤمن أن هذه القوة هي الله بتعبير الديني، أو العلة الأسية التي تتحكم بالوجود عرفناها وحددناها أم لم نعرفها ويستحيل تحديدها حسب ما يقوله العقل الوجودي.
إذا العدل هو مستوعب لفكرة التوحيد ومتضمنها كواحدة من المصاديق المعنوية وليست كلها أو تمامها، فالدلالة من النص هنا تغيرت ليس لرغبتنا بأقحام مفهوم العدل خارج نطاقها الخاص، ولكن لأن معرفتنا به قد تبدلت وتغيرت وتعاظمت عما أدركه مفسر النص، العدل اليوم يشمل الكثير من المفاهيم الأخرى من العدل الأجتماعي والعدل في تطبيق القانون والعدل في توزيع الثروة والعدل في ممارسة الإنسان لوجوده الكوني، طالما أنه يتحكم بفعل الإنسان وسلوكه كونه أمر مصلحي، فالإنسان ذو علاقات جدلية متعددة الأطراف، وعندما يتعامل بالعدل فمن العدل ذاته أن يكون التطبيق شامل لكل هذه الروابط والعلاقات وليس حصرها في جانب واحد.
هنا عندما نعيد قراءة النص ونستكشف أن لالات العدل هي غير ذات الدلالات والمعاني والمقاصد التي أدركها أو أدركتها الثقافة المرتبطة بزمنها، نكون أولا قد حافظنا على ثبات البناء دون أن نحركه نحو جهة نريدها أو نتوخاها ومارسنا حقنا من جهة أخرى في إدراك المتغير والمتحرك في داخل النص كمعرفة وليس كبناء، هذا التجديد في القراءة سيفتح للنص ذاته حرية الحركة داخل المجتمع ويعكس في نفس الوقت ثقافته الراهنة، فالعدل الأجتماعي في زمن صدر الإسلام لم يتبلور بذات المفاهيم التي نعرفها اليوم ونتعامل بها ونسعى لها، وعندما تعرض هذا النص بهذه القراءة المتجددة لا يمكن لأحد أن يعترض عليها لأنها هي إنعكاس عن حاجة وضروريات المجتمع الآن، حتى لو كان المتلقي ليس مسلما وليس متدينا أو حتى مؤمنا بوجود الدين.
السؤال هنا هل يمكننا أن نعيد كل الفكرة الدينية على نسق المثال الماضي ونعيد تقديم الدين بمفاهيم متحركة تستجيب لقضايا العصر؟ ومنها مفاهيم وقضايا لا يمكن تصورها حتى أنها قابلة للحركة أو التغير مثل مفاهيم وقضايا الغيب والحساب والنشأة الأولى وما سواها من قضايا أصطدمت مع العلم وتناقضت في بعض جوانبها معه كونها أمثر ميتافيزيقية من حقيقة الواقع، الجواب في عملية التجديد ليس الهدف وضع الدين في موضع الأمتحان الأختباري لبيان كل شيء ورد في النصوص، فحتى هذه الدلالات النصية المتعلقة بالغيب لها معالجات أخرى غير تفسيرية، بل لا بد من تأويلها بما أرادت من طرحها على شكل أخبار أو مفاهيم تتعلق بالجانب الأخر من إدراكنا.
أولا لا بد لنا من تعريف الغيب وتعريف العلم معا قبل المباشرة بطرح هذه القضايا للفهم التجديدي في محاولتنا لأستكشاف الدلالات، الغيب عموما هو ما لم يحضر في دائرة المعلوم المتيقن منه لطبيعة الموضوع أو لطريقة عرضه، فهو وجود ولكنه يمتاز أن طريق الوصول له يحتاج إلى أليات في العلم أما غير تقليدية وأما لم يتعرف عليها العلم بعد، فليس كل الغيب عدم وجود، وليس كل الوجود هو حضور تام، بمعنى بعض الغيب كان مكذلك لأن الإنسان ومن خلال العلم كشفه أو توصل لوجوده مثل الجاذبية والموجات والكثير من اللا مرئيات أو اللا محسوسات التي كانت قديما ضربا من الغيب، ولكن لا نسميها مجاهيل، لأن المحهول هو الموجود الذي لا ندركه بالتقصير لا بالكيف.
إذا علينا أن ندرك حقيقة إن الغيب كله سيدرك يوما ما كلما كبرت وتعاظمت دائرة العلم وما بعد العلم وتفاعلت مع كل الأفكار والمعارف، ولا بد أيضا أن نسعى لذلك دون أفتراض مبدئي أن ما يعد غيبا هو مجرد خرافة أو وهم وخيال، فكثيرا من الأوهام عندما تخضعها للدراسة العلمية أما أنها تصل للباب المغلق فتتوقف نتلقائيا من الحركة داخل الذهن وتنزوي أو يتغلب العلم على إشكالية التوهم ويقدمها بالحقيقة التي يبرهنها على أنها جزء من المعرفة وجزء من المعلوم، مشكلتنا مع النصوص التي تحمل مفاهيم غيبية أننا أم نأخذها بشكلياتها وبوضع القداسة ولا نتجرأ حتى من محاولة أخضاعها للمنطق، أو ننعتها بما ليس فيها ونتركها تعبث في عقول الناس كشيء لا حقيقة له ولا وجود ومن غير برهان ولا دليل.

عباس علي العلي – الحوار المتمدن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.