الغرب تجاوز عن بدء معركة الغوطة، وسيتجاوز عن إنهائها

مشاهدة
أخر تحديث : lundi 26 février 2018 - 8:59
الغرب تجاوز عن بدء معركة الغوطة، وسيتجاوز عن إنهائها

من بين المكاسب، التي صارت تشكل هاجسا بالنسبة للأوروبيين خصوصا، هو أن معركة الغوطة، ومعركة إدلب بعدها، ستقضيان على إمكانية تجدد أزمة اللاجئين مرة أخرى.


أكثر ما يجمع الغوطة الشرقية بحلب هو كون المعركتين تمثلان نقطتي التحول الرئيسيتين لانتهاء الثورة السورية، والضوء الأخضر الغربي لبشار الأسد للتخلص من الجماعات الإرهابية والمعارضة معا.
طوال كل هذا الماراثون من أجل الوصول إلى قرار مجلس الأمن، كانت تصريحات المسؤولين الغربيين كلها تأخذ منحى إنسانيا وعسكريا وأحيانا أخلاقيا. اختفى تماما الكلام عن أي تسوية سياسية أو إعادة إطلاق محادثات جنيف.
نظرة الغرب عموما لم تعد تشمل أي قناعة بأن ثمة حلا سياسيا لا يزال ممكنا. بيان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالأمس انعكاس واضح لهذه العقلية التي باتت سائدة تجاه الأزمة السورية. كل ما صار الغربيون يحلمون بالتوصل إليه فقط هو تنفيذ قرار مجلس الأمن، الذي لا معنى له أصلا.
السلوك الغربي يضرب المسألة برمتها. لم يعد يجري الحديث عن أزمة بين نظام مستبد ووحشي ومعارضة لها مطالب. الغرب يسحب اعترافه بمضمون “الثورة” بما يحمله من عدالة وبعد أخلاقي، ويمنحه لرؤية موسكو ودمشق القائمة بالأساس على “التمرد” على الحكومة “الشرعية” الذي تمارسه مجموعة من “الإرهابيين”.
بهذا المعنى، الذي يفهمه الأسد جيدا، تغيرت حتمية الغوطة الشرقية وباتت تمثل “مهمة قذرة” على الأسد القيام بها، بما يتطلبه ذلك من ضحايا بالمئات. ضجيج الغرب له علاقة بهؤلاء الضحايا، وليس بنتائج المعركة أو مآلاتها.

يعلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن إنهاء “مسألة” الغوطة الشرقية، لن يخلص النظام فقط من مشكلة مزمنة في خاصرته الرخوة قرب العاصمة، لكنه أيضا سيقضي على مسار جنيف تماما. أي وزن من الممكن أن يبقى للمعارضة بعد ذلك؟ ما هي الأوراق التي يمكن من خلالها فرض رؤى جديدة وإجبار الأسد على القبول بها؟ وما هو نوع الشرعية السياسية التي يمكن للعالم بعد الانتهاء من هذه المذبحة أن تمنحه للمعارضة كطرف ند للنظام؟
مشكلة روسيا الوحيدة تجاه هذه المعركة هي أنها ستكون انتصارا حتميا لإيران. ليس صحيحا أن الأسد هو المنتصر الحقيقي. في حلب أيضا كانت إيران هي المنتصرة.
أزمة سوريا اليوم لم تعد في الحرب الأهلية. هذا موضوع توافقت كل الأطراف الدولية على تجاوزه. المشكلة الآن في سوريا تكمن في تقسيم النفوذ في مرحلة ما بعد انتهاء المعركة.
الفرق بين الروس والإيرانيين هو أن الروس موجودون في سوريا لفترة مؤقتة، لكن الإيرانيين هناك من أجل البقاء. في كل معركة رئيسية استفادة الجيش السوري تكون لحظية، متمثلة في الانتصار العسكري وضم المدينة الجديدة إلى مناطق سيطرته، ثم تبدأ مرحلة استفادة الإيرانيين.

الغرب يسحب اعترافه بمضمون « الثورة » بما يحمله من عدالة وبعد أخلاقي، ويمنحه لرؤية موسكو ودمشق القائمة بالأساس على التمرد « على الحكومة « الشرعية » الذي تمارسه مجموعة من « الإرهابيين ».

الإيرانيون يحلمون دائما بتكرار نموذج حكم إيران في كل البلدان العربية التي يهيمنون عليها، وبتحويل الشيعة في هذا البلد، أقلية كانوا أو أغلبية، إلى “طائفة الحكم”.
تهيئة أي بلد لهذه المرحلة تتطلب ثلاثة أمور: إعادة بناء الأجهزة الأمنية لتصبح، في العقيدة والتكوين، أقرب للحرس الثوري الإيراني، والسيطرة على المشاريع الإقتصادية ذات الأهمية الاستراتيجية، وهندسة عمليات تغيير ديموغرافي على أسس طائفية في مناطق غالبا ما تسكنها أغلبية سنية.
كان طبيعيا إذن أن أكثر التصريحات وضوحا، بعد إصدار القرار الأممي، يكون لرئيس أركان الجيش الإيراني، الذي قال إن الحملة مستمرة لتطهير سوريا كلها من “الإرهاب”.
الجرأة الإيرانية ليست من فراغ. ثمة اعتماد كبير في إيران على ورقة استراتيجية ضامنة لاستمرارها في خططها دون تعقيدات جوهرية. هذه الورقة هي الصراع بين روسيا والولايات المتحدة.
إيران تعلم أنه كلما ظل هذا الصراع قائما، كلما تمكنت من تحقيق أكبر قدر من المكاسب في أقل وقت ممكن.
مصداقية التصريحات الإيرانية تكمن في اتساقها مع ما يدور بين كل الأطراف الدولية سرا، وتناقضها مع الفصام السياسي الذي يرشح عنه في العلن.
صراع موازين القوى ظهر سريعا في تصريحات مندوب روسيا في مجلس الأمن فاسيلي نبينزيا، الذي كان يتحدث عن أن القرار يشمل أيضا “الأطراف التي تقاتل داعش في شمال سوريا ومنطقة عفرين”.
التلميح الروسي هو امتداد لتوافق يجري العمل عليه بين روسيا وإيران والولايات المتحدة وتركيا لوضع صيغة جديدة يمكن من خلالها تقاسم النفوذ بشكل طويل الأمد. هذا التوافق يشمل النقاط التالية:
تحافظ الولايات المتحدة على سيطرتها، من خلال قوات سوريا الديمقراطية في المناطق الغنية بالنفط والغاز شرقي نهر الفرات، دون قيام الروس بأي محاولات (على غرار المحاولة التي استهدفت فيها طائرات أميركية مرتزقة روس وميليشيات إيرانية) لتهديد التواجد الأميركي هناك في المستقبل.
تعمل إيران على سحب القوات الموالية لها من المناطق المحاذية للحدود الإسرائيلية، خصوصا قرب مرتفعات الجولان المحتلة، وعدم القيام بأي محاولات لاختراق الأراضي أو الأجواء الإسرائيلية في المدى المنظور.

في المقابل:

تسمح تركيا بدخول ميليشيات موالية للأسد إلى منطقة عفرين، غربي نهر الفرات، بحيث تشكل “منطقة عازلة” بين وحدات حماية الشعب الكردية من جهة والقوات التركية من جهة أخرى، تمهيدا لدخول قوات الجيش السوري النظامي إلى المنطقة في مرحلة لاحقة.

يُسمح للأسد وروسيا وإيران بالانتهاء من معركة الغوطة الشرقية وإنهاء نفوذ جيش الإسلام وفيلق الرحمن وإنهاء وجود جبهة النصرة (القليلة)، مع فتح طريق أمام المسلحين وعائلاتهم للانتقال إلى محافظة إدلب.
تمكن الغرب من التوصل إلى مثل هذا الاتفاق يمثل انتصارا له في معركة لا يبدو من بعيد أنه مازال يملك الكثير من النفوذ لتحديد مساراتها. من بين المكاسب، التي صارت تشكل هاجسا بالنسبة للأوروبيين خصوصا، هو أن معركة الغوطة، ومعركة إدلب بعدها، ستقضيان على إمكانية تجدد أزمة اللاجئين مرة أخرى.
النهاية الوحيدة التي تبدو واضحة الآن ليست هي نفسها التي يأمل الذين عكفوا على صياغة قرار مجلس الأمن الوصول إليها. كما سمح الغرب لروسيا والأسد ببدء معركة الغوطة الشرقية، سيسمح لهما بإنهائها، الحكاية كلها صارت فقط مسألة وقت.

أحمد أبو دوح – كاتب مصري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.