الفكر المتطرف يقف خلف توظيفات مشبوهة لأملاك وقفية في الجزائر

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 12 octobre 2018 - 6:24
الفكر المتطرف يقف خلف توظيفات مشبوهة لأملاك وقفية في الجزائر

غياب الرقابة الحكومية يسيل لعاب الجماعات الإسلامية، وتقديسات اجتماعية تجعل ممتلكات الوقف بعيدة عن المساءلة.


تشكل أموال وعائدات الأملاك الوقفية في الجزائر، نقطة ظل كبيرة، في ظل غياب جرد شامل، واطلاع رسمي على مساراتها، مما يعرضها للتوظيف في أطر وقنوات غير شرعية، بما فيها أفكار وتصورات التطرف الديني، أو الوقوع تحت طائلة تمويل الصراعات المذهبية، التي تعتبر المال عمودا فقريا لإغراء واستقطاب الأنصار والمريدين.
أثارت الأموال والأملاك الوقفية المملوكة للمساجد والمؤسسات الدينية، جدلا ساخنا بين نواب برلمانيين ووزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، على خلفية افتقاد الحكومة إلى جرد شامل ودقيق لمداخيل وطبيعة تلك الأملاك، وخطر توظيفها في أغراض لا تخدم توجهات السلطة في ضبط حركة الأموال المتصلة بالنشاط الديني.
ورغم أن السؤال البرلماني يتيح للوزير المعني الوقت الكافي لتحضير معطيات الرد على صاحبه، إلا أن جواب الوزير كان خاليا من الإحصائيات والأرقام ولو بصفة تقريبية، ما يؤكد الخلل الحقيقي في القطاع، رغم أن المسألة تنطوي على مخاطر جدية، في ظل تطور وسائل الجماعات المتشددة في تمويل نفسها وخلاياها، واستعمالها في خدمة أجنداتها الخفية.

التيارات الأصولية المتطرفة في الجزائر لها باع في تبييض الأموال وتوجيهها نحو نشاطات مشبوهة، مستغلة في ذلك القدسية التي تحظى بها المؤسسات الدينية لدى المجتمع الجزائري. ومن بين مصادر تمويل التطرف التي تحوم حولها الشكوك، تأتي عائدات الأملاك الوقفية التي لم تتمكن جهات الإشراف من ضبطها إلى حد الآن، وذلك بسبب عوائق كثيرة منها ما يدخل في العرف الاجتماعي ومنها ما تحول دونه تعقيدات إدارية إلى جانب مراوغات المشرفين عليها.

وتفتقد السلطات الحكومية في الجزائر إلى الجرد اللازم لأملاك وعائدات الأملاك الوقفية، التابعة للمساجد والمؤسسات الدينية، الأمر الذي يمثل تحديا حقيقيا أمامها، للتحكم في مسارات الأموال والعقارات، في ظل الغموض الذي يكتنف أوجه تحصيلها وإنفاقها، ويطرح إمكانية توظيفها في أغراض مشبوهة لا سيما التطرف المذهبي والإرهاب.
ويستحوذ فاعلون وناشطون في القطاع الديني، وحتى جمعيات دينية، على عائدات الأملاك الوقفية، التي يبقى تسييرها يفتقد للشفافية والمساءلة، ولعدم تحديد طبيعتها، وإن كانت تتمثل في غالب الأحيان في عقارات ومحال خدمات وأراض منتجة، فإن آلية الرقابة المختصرة على مؤسسات القطاع تطرح الكثير من الشكوك، المعبر عنها في السؤال البرلماني المطروح على وزير الشؤون الدينية والأوقاف، محمد عيسى.

مسألة الأملاك الوقفية في الجزائر تبقى محل شبهة تثير الرأي العام، لا سيما في ظل غياب حصيلة مدققة وآليات الرقابة

ورغم إضافة الأوقاف في السنوات الماضية لعنوان الحقيبة الوزارية، إلا أن الأملاك المذكورة الناجمة في الأصل عن التبرعات وبعض ملاحق النشاط المتصلة بالمؤسسات المسجدية والدينية، تبقى بعيدة عن التحكم والمراقبة، مما يفتح المجال أمام توظيفها في أغراض خطيرة، من طرف التيارات والجماعات المتصارعة على ريع الوقف الديني.
وإذ كانت في الأصل تستعمل في تمويل وتطوير الأعمال المنوطة بالمساجد والمؤسسات الدينية، كالتكفل بنفقات التعليم الديني، والتضامن الاجتماعي، وأعمال الصيانة والترميم وغيرها، فإن وقوع بعضها في أيدي ناشطين وجمعيات يهتمون بنشر أفكار التطرف الديني والتشدد المذهبي، يثير المخاوف حول مصير تلك الأملاك.
ورغم توصل الوزارة إلى تنظيم الجانب البشري والتشريعي لقطاع الشؤون الدينية، حيث تحصي أكثر من 20 ألف مسجد ومؤسسة دينية، وفرضت خطابا دينيا معينا، يتبنى المرجعية المحلية، وينبذ المذاهب والتيارات الدخيلة، إلا أن مسألة الأملاك الوقفية تبقى محل شبهة تثير الرأي العام، لا سيما في ظل غياب حصيلة مدققة وآليات الرقابة.
وأكد محمد عيسى وزير الشؤون الدينية أمام نواب البرلمان أنه “مباشرة بعد إصدار الحكومة عن المرسوم التنفيذي الصادر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، والذي حدّد شروط وكيفيات استغلال العقارات الوقفية الموجهة لإنجاز مشاريع استثمارية، تم التوقيع على ثلاثة قرارات للاستثمار في بنك وقفي وعيادة طبية وفندق وقفي”، في إشارة إلى اهتمام الحكومة بالملف رغم التأخر الكبير في العملية.

أوقاف بعض المدارس الدينية العريقة في البلاد تمثل تحديا حقيقا أمام الحكومة في مخطط الجرد المنتظر، بسبب استقلالية ذممها المالية

قدسية المؤسسات الدينية لدى الرأي العام، جعلت ممتلكات الوقف بعيدة عن المساءلة، مما يتيح المجال للاستحواذ عليها من طرف المحيطين بتلك المؤسسات، ، إن لم يتم استعمالها في دعم وتمويل بعض الأفكار المذهبية والتيارات الباحثة عن استقطاب أنصار ومريدين لها.
وتمثل أوقاف بعض المدارس الدينية العريقة في البلاد، تحديا حقيقا أمام الحكومة في مخطط الجرد المنتظر، بسبب استقلالية ذممها المالية، كما هو الشأن بالنسبة لبعض الزوايا الصوفية في منطقة القبائل، والمؤسسات الدينية والتعليمية الإباظية المنتشرة بكثرة في مدينة وضواحي محافظة غرداية الجنوبية، والتي تأسست منذ عقود بتبرعات الأهالي في إطار ما يعرف بنظام الجماعة والمجالس الاجتماعية المحلية.
ويرفض القائمون على تشييد وتسيير الزوايا والمؤسسات الدينية في منطقتي القبائل وميزاب، تدخل الجهات الرسمية في مشاريعها، بدعوى ضمان الاستقلالية عن السلطة، وتكريس التوجهات المحلية التي تتأسس لها تلك المشاريع، خاصة وأن المنطقتين تشتهران بنظامين اجتماعيين فريدين، يتحفظان على تدخل الحكومة في فرض تشريعاتها عليهما.
ولا يستبعد متابعون للملف أن تواجه الحكومة تعقيدات كثيرة في جرد الممتلكات الوقفية، بالنظر إلى الممارسات المشبوهة التي تكتنف الأموال المتداولة في المؤسسات الدينية، فهي عرضة للاختراق من بارونات تبييض الأموال، وتوظيفاتها في الضغط والإغراء لاقتناء الكوادر وأعضاء الجمعيات وحتى الخطاب المتبنى من طرف ناشطين دينيين.
وتبقى المؤسسات المستقلة والبعيدة عن إشراف وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، هاجسا حقيقيا أمام الحكومة، فهي إلى جانب صعوبة ترويضها، تمثل مصادر تمويلها وممتلكاتها تحديا لها، لأنها تقترب من الملكية الخاصة أكثر مما تعتبر خدمة عمومية يتوجب خضوعها للتشريعات السارية، ولآليات الرقابة والمساءلة، لا سيما في ظل تنامي الشبهات التي باتت تحوم على الأموال والممتلكات التابعة للمساجد والمؤسسات الدينية.

صابر بليدي – صحافي جزائري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.