القرآن كتاب يُقرأ بعقل اليوم لا بعقل الماضي

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 24 mai 2019 - 5:35
القرآن كتاب يُقرأ بعقل اليوم لا بعقل الماضي

صابر مولاي أحمد: المفكرون العرب وغيرهم تباينت مناهجهم في التعاطي مع قراءة الموروث الثقافي الإسلامي إلى درجة التعارض بين مقارباتهم العلمية.

ظل البحث عن كيفية معالجة ومصالحة الأصالة والحداثة من أهم المباحث التي شغلت المفكرين، خاصة في ما يتعلق بالآليات الضرورية لإعادة ترتيب العلاقة بين التاريخ والحاضر.
بشأن هذا الإشكال الشائك، يعتبر المفكر المغربي المختص في قضايا الفكر الإسلامي المعاصر الدكتور صابر مولاي أحمد، أنّ إعادة ترتيب علاقة المسلم بماضيه وبتراثه؛ تبعا لمتطلبات العصر، تبدأ بإعادة النظر في العلاقة بينه وبين القرآن، وهذه العلاقة لا ينبغي اختزالها في الوعظ والإرشاد، بقدر ما ينبغي أن تكون علاقة تتسم بالنقد والسؤال.
عند إثارة هذه المسألة تُظهر تجارب عدة أن الكثير من المسلمين، يتعاطون القرآن ويتناولونه على أنه أرسل من الله ليلزم المؤمنين بخصوصيات الزمن الذي نزل فيه، دون تفكير واجتهاد في مواءمته مع واقع اليوم.
ويؤكّد مولاي أحمد في كتابه “الوحي.. دراسة تحليلية للمفردة القرآنية” الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، أنه من العبث أن يهجر الناس واقعهم، ويحيون حياة الأموات، فهم في حلم دائم بواقع آخر قد ولّى وانتهى، إنه واقع نزول الوحي حيث الرسول والصحابة الكرام؛ هذا هو حال الكثير من المتدينين المسلمين اليوم وحتى غير المتدينين.

دعوة إلى التفكير والتفكّر في القرآن من خلال القرآن نفسهدعوة إلى التفكير والتفكّر في القرآن من خلال القرآن نفسه

ويشدد على أن الغرابة تكمن في كون القرآن لم يأتِ ليلزم الناس بخصوصيات الزمن الذي نزل فيه؛ بقدر ما جاء ليدفع الناس ليعيشوا حاضر زمنهم. مستشهدا بقوله تعالى “تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ” البَقَرَة: 141 (كتاب القرآن).
ويؤكّد مولاي على وجوب النظر إلى القرآن بناء على كونه كتاب حياة ينبغي أن يُقرأ بعقل اليوم بدل عقل الماضي، فــ”من لم يحيه القرآن فهو إلى الأبد ميت”.
ويلفت، إلى أنّ المفكرين العرب وغيرهم تباينت مناهجهم في التعاطي مع قراءة الموروث الثقافي الإسلامي إلى درجة التعارض بين مقارباتهم العلمية التي تحولت إلى مشاريع فكرية كبيرة عند بعضٍ منهم، وهذا يرجع بحسب رأيه إلى طبيعة الموقف المنهجي الذي اتّخذه كلّ مشروع من التراث تبعاً للسؤال المركب: أَننفصل عن التراث أم نتصل به أم نسلك الأمرين معا؟ وما القضايا التراثية التي يمكن أن نستعيدها في الوقت الحاضر؟ وما هي القضايا التراثية التي ينبغي أن نقطع معها؟ فالإجابة بالفصل أو بالوصل يلزمها سؤال كيفية ذلك الوصل أو الفصل.
ومن بين الإشكالات التي ترافق النقاش الفكري حول مسألة التراث وكيفية توظيفه وحسن التعامل معه لتدبر أمور الواقع الراهن، تكمن في القراءات المتناقضة بشأن مسألة تصنيف القرآن ضمن الموروث أم أنه سابق له.
في هذه القضية، يعتبر مولاي أحمد أن التراث تشكّل إلى جانب النص المنزل “الوحي”، بقوله، “لولا نص القرآن لما تحدّثنا عن شيء اسمه التراث الإسلامي؛ بمعنى أنّ القرآن سابقٌ في التشكل على التراث الذي تشكّل في ما بعد وهذا أمر بديهي”.
ويشير إلى أنه “من التعسف أن نعدّ القرآن جزءاً من التراث الذي تشكّل إلى جانبه؛ كما أنهّ من التعسف اعتماد ما تشكل إلى جانب نص القرآن من علوم القرآن وعلوم أصول الفقه وعلوم الحديث وغير ذلك على أنه هو المسلك الوحيد إلى فهم القرآن.
ويشدد على أنه “بعد عملية التفكيك والنقد، التي لا بد منها لما تشكّل حول النص “التراث”، لا يتبقى بعدها إلا النص المؤسس “القرآن” الذي ينبغي أن ننسج معه علاقة تليق بالزمن الذي نحن فيه؛ حينها لا ينفعنا سؤال التفكيك بقدر ما نكون في حاجة إلى سؤال التركيب؛ وسؤال التركيب هذا ينطوي على بذل الجهد في الإحاطة بالأبعاد الكلية للموضوعات التي قال بها القرآن، وهذا يتطلّب مناهج تنسجم مع الزمن الذي نحن فيه في الفهم والقراءة.

صابر مولاي أحمد: القرآن لم يأتِ ليلزم الناس بخصوصيات الزمن الذي نزل فيه؛ بقدر ما جاء ليدفع الناس ليعيشوا حاضر زمنهم

وجاء كتاب “الوحي.. دراسة تحليلية للمفردة القرآنية” في ستة فصول، اقترب الأول “مفهوم الوحي عند المتقدمين” من طبيعة مفهوم الوحي عند العرب قبل الإسلام؛ وكيف تحوّل من حيث مضمونه “القرآن” إلى موضوع للمنازعة؛ وقد تم التطرّق إلى التحوّلات التي طرأت على هذا المفهوم ولحقت به؛ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما الفصل الثاني “الوحي وعلوم القرآن” فقد حاول تقريب القارئ من علاقة موضوع الوحي “القرآن”بعلوم القرآن. أما الفصل الثالث “مفهوم الوحي من خلال البنائية القرآنية” فخُصّص لبيان المفهوم الذي يعطيه القرآن للوحي في علاقته بالله وبالطبيعة والإنسان والمعرفة.
وخُصّص الفصل الرابع “الوحي والثقافة” ليقرّب القارئ من جدل الوحي والثقافة. وقدّم الخامس “الوصل والفصل بين الثقافة والوحي” نماذج لطبيعة الفصل والوصل بين الوحي والثقافة. وخُصّص السادس “الوحي والرسول” للاقتراب من نصوص الوحي “القرآن”، ولاسيما التي تحدثت عن علاقة الرسول صلى الله عليه وسلم بموضوع الوحي.
وسعى صابر مولاي أحمد إلى المساهمة “في تحرير فهم القرآن من الأغلال التي تحُول بين الإنسان والتفكير النقدي؛ تذرّعا بوهم الثبات والحفاظ على أقوال المتقدمين والإعلاء من قيمة فهمهم وتصوراتهم إلى مقام السادات والكبراء.
ويتمسّك المفكر المغربي، بالدعوة، إلى التفكير والتفكّر في القرآن من خلال القرآن نفسه عبر توظيف مناهج المعرفة الحديثة في عملية التفكير والتفكر. بالاستناد إلى قوله تعالى “قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا”.
وخلص إلى أن قيمة التفكير والتفكر تبدأ بفعل القراءة، وهو الفعل الذي تفرّد الإنسان به؛ ولهذا من البديهي أن يرفع القرآن شعار “اقْرَأْ”. حيث قال تعالى “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” في مقابل شعار “بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا”.

محمد الحمامصي – كاتب مصري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.