#المرأة بين الاغتراب والتغريب

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 7 mars 2019 - 10:40
#المرأة بين الاغتراب والتغريب

الهويّة ، الا نتماء ، التغريب ُ ، الاغتراب ُ، النفي ، مشكلات تعاني منها المرأة ، سواء على الصعيد الديني أو المجتمعي ولا يكمن أ ن نجدَ لها حلولا ً في عالمٍ تتضاربُ فيه القيم والأديان والأعراف والتقاليد.

هذه المصطلحات ، مزقت ِ المرأ ة نفسيا ً واجتماعيا ً بين عائلة تنتمي إليها  » الأب والأم  » والانتماء والتبعية لعائلة ٍ أخرى عائلة « الزوج  » هذا الانتقال هو بمثابة  » مَحْوُ  » . و والكلمة تعني لغويا ً : محو الشئ أو إزالة الأثر « . محو الذات وا لأنصهار و التكني بالأسماء والألقاب هو ما يمحو شخصيتها وتصبح بالتبعية تتكنى باشخاص واسماء خارج اطار ا سمها وهويتها الشخصية .
المرأة ُ ومنذ تغريبتها الأولى التي تمثلتْ بهاجر أم اسماعيل زوجة « النبي إبراهيم  » ورغم التبريرات الدينية الذي زادت من أحوال المرأة تعقيدا ً وسوءاً ، لم تحظ َ بكل ما استحقته وناله نصفها الآخر.
تغريبُ هاجر قسوة لا يمكن تصورها بالنسبة لأمرأة معها طفل ٌ رضيع في صحراء قاحلةٍ مهما كانت العبرة ُ من هذا التغريب .!
الله ذاته لم يشأ أن يدع َآدم وحده على الأرض بل خلقَ له من ضلعه ِ ما يؤنسه ،هذا الخلقُ بذاته ، هو كمال ٌ لآدم لا نقصا ن له ، فمن خلق امرأ ة من ضلع رجل ٍ،كان الأحرى به أن يساويها بآدم من باب العدل والأحسان . كما أنه ليس من العدل أن يترك امرأة وحيدة مع طفل رضيع في صحراء.
من خلا ل هذه الأفكار ، أود أن أطرحَ بعض النقاط الأساسية العامة ومنها القضايا الشخصية التي هي بحقيقتها عامة.
المرأة وحركات التنوير :
حركات التنوير التي قامت عبر العصور مازالت عقيمة لم تستطع أن تقدم شئيا ً بالنسبة للمرأة وبقيت قضاياها عالقة في بواطن الكتب والأحاديث الديينة وتفسيراتها .هذه النصوص والتفسيرات لا يمكن التجاوز عليها ، لا فكرياً ، ولا دينياً ، كونه يعتبرُ خروجا ً على النص غير المباح نقاشه أو تفسيره. لذلك نرى رغم التطور الذي حدث عبر حركات التنوير والحركات النسوية ، جميعها ،لم تستطع تغيير واقع المرأة خوفاً من الخروج على النص الديني.
الحديقة الدينية :
لم أ كن أفكر بالخوف أبدا ً ، كوني لا أعيش ُ تحت سطوة الألتزامات الدينية من حجاب ٍ ونقابٍ، هذا بدوره جعلني خارج الحديقة الدينية التي تتباهى بها النساء و بأن الله فتحَ لهنّ طريق الهداية الكاذب ، وجرئيات من يكن يهمسن ّ في أذني « أنهن مُجبرات بسببِ الخوف  » .
من دون شك ّ،هناك انفصال وانفصام في الفكر و انفصام يحجب الجسد عن العقل .
نناضل فكريا ً للتخلص من التسلط والعبودية والملكية التي تثقل حياة المرأة فهي دائما ضمن هذه الدائرة، دائرة الممتلكات ، العقل يرفض هذه التوصيفات كونه يحاربها فكرياً .
فنزعة الملكية ، لا يمكن التخلص منها مهما تعالى الفكر على الجسد ، وهذا الخصوصية في التملّك لا يمكن أن تكتمل فكريا ً، إلا بعودتها إلى ذكوريتها ، فالذكورة ، حسب تعبير أبي  » تحمي من الأنقراض.!
وعي المرأة منذ الخليقة يتجسدُ في إبداعها وعطائها ، وفهمها لمحيطها التي تكونت وعاشت فيه، وفكرة تهجير هاجر ام اسماعيل ، كانت التغريبة الثانية ، بعد حواء التي غُربت ْمن السماء إلى الأرض عقوبة لها ، حيث هبطت عارية ، كما هاجر ام اسماعيل التي تاهت في الصحراء .
تؤكد الباحثة المغريبة الدكتورة حورية عبد الواحد في كتابها المهم جداً « اللغة والمرآة  » أطروحات عربية في التحليل النفسي  » تؤكد على قدرية المرأة وأن هاجر تحمل قدرها داخل اسمها ففعل هاجر  » يعني تغرب ، رحل، ترك ، فهي تركت أي هاجرت  » تحت الشمس اللاهبة وفيما هي تتمزق وتفقد رشدها من الألم والقلق بسبب العطش المتعاظم لابنها ، شرعت بالعدو على غرار مجنونة ،بين أكمتي الصفا والمروة وهكذا فان الهذيان يمسى » هُجر  » واكتشفت أخيرا ً يبنوع ماء ، اكتشفت « هجيرا ً « وهو حوض ماء واسع سكن ّ عطش الأبن وقلق الأم  » تؤكد الدكتورة المغربية حورية عبد الواحد : »أن هناك قدرة رائعة ومدهشة في تفكيك اللغة من أجل تغذية الأ سطورة . » أنتهى.
كل امرأة منا تحمل في داخلها فعل  » هجر » أو هاجر كونها تعيش ضمن أطرٌ وقوانين خارج أرداتها فهي غير قادرة على تحديد ملامح هويتها و مستقبل شخصيتها إلا كما تحددها النصوص الدينية والأ عراف . ومن هنا لا بد أن نتسائل وبحرقة :
لماذا تفرض القواعد على المرأة دون الرجل ؟
لماذا تُستبعدُ المرأة من الأرث والميراث والوصية ومن الحصص والجوائز والمكافات ؟
لماذا تُشطر بين حياتين ؟
لماذا النفي والأبعاد والتمزق خارج الجذور ؟..
نحن في اشد العصور قسوة وتغربيا ً ، حيث كان التغريب بناءً على أمرٍ مُوحى ولكنه اليوم مدعوم بنصوص تشريعية وقانونية وسياسية وأجتماعية ، بحيث لم يتمكن الفكر التنويري ، والسياسي والأجتماعي والاقتصادي التخلص من النص الديني وسطوته على المرأة ولا حتى التحليل والتفكير فيه من جوانب إنسانية كونه خاضع لقدرة إلهية .!
اسئلة متعددة وقضايا بشرية وانسانية تطرح على بساط البحث ، دون جدوى في ايجاد الأجابة الشافية عن اسئلة مصيرية بالنسبة لحياة كل امرأة . !
تؤكد الباحثة المغربية الدكتورة حورية عبد الواحد :
 » أن مصير المرأة هو المنفى والاغتراب. وتسأل أسئلتها الوجودية ، لماذا أكون ابنة النفي والابعاد ؟ »
ولم َ المنفى خارج العائلة وخارج الجذور ؟
لم َ التمزق الناجم عن هذا التفريق ؟ »
هذه الأسئلة المحيّرة ، هي التي جعلت مني شخصا ً آخر مع أنني لستُ ربة َ القمر .!
لستُ ربة القمر ،لكن الله منحني طاقة على الركض في الحقول ، ليست حقولاً بمعنى الأرض أ و البساتين وإّنما طريق الحياة التي يسلكها المتصوفة ، طرق عالية ،وعرة وكنت أرتفع بها وفيها عن الناس والمادة ، وخيّل لي أني قد أ كون ربة القمر ، بعد أن نجيت من حادثة الثعبان الأحمر .
في صيف تموزي ، كنت في طاقة خلاقة للركض في أرض ليست لي ، وفي بساتين شُجرت لغيري ، وفجأةً يظهر لي ثعبان أحمر ، عندما شعر بي غير طريقه ليتعقبني .
وبقوة الطاقة الروحية تحولتُ إلى غزال ٍ أدركَ بكل براءته بعدم الجدوى من العناية بأرض ٍلا ينتمي إليها إلا الذكور .!
لم أفكر بخطورة ما كنت قد تعرضتُ له مع الثعبان الأحمر تعددت الروايات بالحديث عنه ، منهم من قال: لا يعض ُ، ومنهم من قال ، أنه يضرب بذيله فيكسر ُ القدم َ أو يقطعها ، ومنهم من يقول ،أنه يلاحقُ ويطاردُ على مسافات طويلة حتى يتمكن من الضرب أو اللدغ.
شعرت بأني تحولتُ إلى روح ٍ مقدسة ٍ، لأنه من النادر
أن ينجو أحد من لدغة الثعبان الأحمر ،كونه لا يتراجع ولا ينهزم ،يُطارد ُ بقوة ، لكن قوتي وأرادتي في النجاة كانت أقوى منه حيث كنت أراه بين أقدامي وأنا أقفز في الهواء مثل ساحرة ٍ منحها الرب طاقة لا أحد يقدّرها غيرها .
بعد نجاتي من موت محتوم ٍ، بدأت ْ حملةُ البحثِ عن الثعبان الأحمر ، لقتله ، حيث أعلنَ الجميع ،بأن لدغته لا نجاة منها .! لكن أمي أصرتْ بعدم البحث عنه ، كونه لم يلدغني .
فكرت كثيرا بفكرة أمي ، وأخذت أربط بين فكرتها والأساطير القديمة ، حيث كانت الثعابين ُتعبد وُتنقش ُعلى الجدران والأواني و تمنح ُالمعرفة والحكمة الواسعة لمن يلمسها . الافعى الحمراء التي طاردتني ، كنت أجهل فيما إ ذا كانت ذكرا ً أو أنثى ، ولكن قدرتها على الالتفاف والدوران والقفز تؤكد لي بأنها كانت ذكراً وليست أنثى .!
فما يُعرف عن الأفاعي وخطورتها ، درجات متفاوتة فهناك السوداء والبيضاء التي هي اكثر ُسميّة ، حيث من المتعارف عليه أن الأفعى السوداء لا تُقتل أينّما وجد ت بعكس البيضاء أو الحمراء .
يبدو إنها كانت رسالة ، إلى قراءة العالم بطريقة مختلفة تماماً عما يراه الغير .مضت أيام طويلة وأنا أراها تنام معي في سريري بين رعبٍ آمن أو وهم ٍ آمن ، كنت أغمض عيني ّ دون أي شعور بالخوف أو عدمه ، إلى هذه اللحظة أذكرها تماماً بين أقدامي تلعبُ ، ليتراءى لي العالم صغير الحجم بقدر لدغة ثعبان حيث تتحول الحياة إلى موت محتوم ، كما يتحول النور إلى ظلام .!!
مرت أشهر طويلة وأنا أعيش كابوس الثعبان الأحمر ، لأرى نفسي أتنقل ُ بين الأساطير و اقنعها بمد ى صحتها، فلا شئ يأتي من العدم وهذا الثعبان الأحمر الذي طاردني لمسافة طويلة في صيف تموز أعادني إلى افعى كلجامش حيث كان من الممكن أن أموت في دقائق أو ثوان معدودة حيث القرية لا طيبب فيها ولا مراكز صحية والمدينة بعيدة ، ليست قريبة ، بأن تترك مسافةً للدغة افعى ، دون ان يسري السم في الجسد الذي لدغته ، وحسب الروايات أن هنالك العديد من الضحايا في الصيف بسبب لدغات الأفاعي ، اذ لا أمصال في المشافي والمستشفيات الكبيرة بسبب الحصار والحرب التي لم تنتهِ منذ سنوات .
ساعدتني أمي بالخروج من فكرة الرعب والموت إلى فكرة الحياة والأنبعاث .!
أمي ذكورية في حبها لكنها خافت وبكت من أجلي كوني أنا ضيفتها القادمة من بعيد . قطعت ُ البحار والمحيطات لأزورها في مرضها ، فهي لا تريدني أن أموت ، فهي ستشعر بالذنب المضاعف كوني أنا ابنتها وضيفتها .!
بدأت بتحليل العلاقة الفريدة بين افعى جلجامش و الثعبان الأحمر الذي لم أعرف جنسه إلى اليوم ، هل كان ذكراً أم أنثى ،؟
قُدر لي بأن أعيش ، وأن لا أموت بسم أفعى ، فهذه الأفعى لم تسرق مني شئياً ،بل منحتني حياة جديدة لا أدري كيف ومتى تنتهي ، فأحسستُ بنشوة الانتصار على جلجامش ، أفعى تسرق ُ منه عشبة الحياة وأفعى تمنحني الحياة ، مقارنة ليست سهلة ، لكنها فكرةُ عزاء لموت لم يأت ِ مبكرا أو قد تكون اشارات و رموز لأصيغها بقوالب مختلفة لفهم الحياة التي نعيشها .!
لم أمت بلدغة افعى ، ولا بالقذائف التي كنت أراها تتساقط فوق الوديان كنا نتراكض في كل الجهات ، بعضنا يختبيء من الخوف .الآخر ُ يسرع ُ إلى تصوير القذائف والصواريخ وهي تنفجر في الفضاء بفعل الراجمات الروسية .كان علي أن اركض إلى أقرب مساحة للصوت ، كي أرى وأسمع أصوات الأنفجارات المدوية في أجواء القرى والمدن التي كُتب عليها أن تدفع ضرائب عالية من أرواح ابناءها..!
لم أشهد الحرب ، كما شهدها غيري ولكنني كنت من أسرع الناس إلى جهات الصوت والانفجارات .! كنت ُأحاسب ُ نفسي لأنني لم أتعمد بدماء الحربِ ولم أتقدس بقداسة الشهادة أو رفع راية البلاد التي كانت رمزا عنيدا للقو ة و المواجهة ،كما حدث بيني وبين الثعبان .
الثعبان الأحمر ، نبهني إلى أشياء كثيرة في هذا العالم وزادني معرفة ً بما يحيط بي ، لقد رأيت السماء أ قرب إلى الأرض من سابق عهدها ، والأرض اكثر تصحرا ً رغم أخضرارها ، والناس اكثر قربا ً رغم تفرقهم حتى أني استطيع أن أقرأ وجه كل نجمة قريبة كانت أو بعيدة ، بذات الضياء ، فعودتي الأخيرة لا تشبه وداع بوذا لمدينته، هو الذي لم يستطع النظر إليها بعد أن ترك ولده وزوجه فيها وعبَر النهر َ بقوة عشرة جياد ٍ.
اليوم، أراها بعين أخرى وصورة أخرى وبما معناه أن الله قريب منها ويبسط كل جماله فوقها.!
انظر الى التلال التي تحيط ببيتنا ، عندما أقول » بيتنا  » لا اشكك دقيقة واحدة في مفهومي وفهمي لكلمة « بيت  » و هي ما أقصده تماما أنه البيت الذي ولدت ُفيه . يلتبسُ الأمر على أمي وأبي ومن يسمعني ، ليذهب الظن به إلى أنه البيت الذي أسكنه حاليا حيث أعيش وليس البيت الذي ولدت ُ فيه .
البيت الذي ولدت فيه هو بالنسبة لي بيتٌ الفطرة والانتماء و الجنسية والهوية والملامح التي انتمي اليها ، البيت الذي لا يمكن فصله عن الجسد والروح مهما ألتبس المعنى والتفسير إلى أي بيت أقصد أو أشير ، وكان عليّ دائما في معرض حديثي أن أوضحَ لمستمعي سواء كان أبي أو أمي واخوتي ، أن البيت الذي اقصده بيتنا  » هو بيتكم « .! .
كيف لي أ ن أشرح وأوضح علاقتي « بالبيت  » ..
كما ذكرت ، كنت ُلا احب القرية ولا ارغب في العودة إليها ، كنت اخشى أ ن تكون مرآة ًلحياتي التي عشتها وقاومتها ، في البحث عن هوية ، انتمي إليها ، في اثبات وجودي على هذه الأرض وكنت اعزي نفسي بابن عربي وأردد ُ معه  » كل ما لا يؤنث لا يعول عليه  » ولكن لماذا الذكورية ؟
لماذا يعوّل ُ عليها ؟
لماذا المراهنات ،على أن الأرض لا تعطي ثمارها بدون الذكر ؟
كنت_ في زيارة إلى « بيتنا « إلى بيت أهلي  » اقصد « ._ قد تراهنت مع ابي على فكرة ٍ نفاها وقاطعني بها ، قائلا لي وبكل ثقة أن البذور َ التي بذرتُها في الأرض لن تثمر وأنني أتعب في هذا بدون جدوى . في قراره وفكرته ، كان معارضا تماما لفكرة رش بعض البذور في الحديقة الأمامية للبيت ، حتى انني استغربتُ أصراره بالنفي القاطع بأن البذور التي بذرتها لن تثمر . كان الرهان قويا بيني وبينه ، بقدر ما كان عصبيا ومغتاظا مني ومن فكرتي في الزراعة ، كنت مـتفألة’ بان الله منحني يد ٌ خضراء ، لا تموت بذارها ، هكذا كان ايماني بذاتي ، وبوحدة روحي المتكاملة . هكذا تعلمت من الحياة ، بأن أكون كالنبع الصافي امنح حبي بلا مقابل ، ولكنني كنت اصطدم بالناس كما اصطدم بالأحجار لا بد من أن انهض من كبوة ٍ لا بد منها ، واتعلم منها .
كل يوم كنت ارقب بذوري ، وابي يقول لي أن تعبي سيذهب سدىً بلا جدوى ، لكنني كنت مصممة على الانتظار والجني .
في حديث متفر د وغريب مع أبي ايقنتُ تماما ً رفضه لفكرة رزاعتي الأرض ، كان في اعماقه يخاف من أن سأستحوذ عليها ، هذه الأرض المؤنثة . .
أبي في اعماقه يشعر بالخوف من ان تذهب منه هذه الملكية التي يحوذها إلى أنثى . أرض ٌ بقلةٌ غنية كما تقول العرب في وصف الأرض .
مراهناتي لاقت ثمارها وانتصرت على أبي بالفكرة ولكنه انتصر علي ّ بالمعنى والأستحواذ ، كان من المدهش و المفجع ، ان أسمع من ابي حديثاً هز ّ كياني وخلخه ، أبي هذه الأيقونه التي ما زلت أومن بها والتي ألفت وكتبت عشرات الكتب في اللغة والشعر و الأدب والفكر والعروض و المعاجم اللغوية ، كان قد اختصر كل علمه وفكره بكلمة « ذكر « ، وكل من ليس لديه ذكر من أخوتي  » لا يعوّلُ عليه  » كنت في خلاف معه ، وفي طرحه لافكار لاتتناسب مع ما انجزه من ابداعات في الفكر واللغة ، هو الذي كتب عشرات الكتب مؤيدةً باشعار العرب وما قالوه من منذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا ولكنه لا يغفر ، لمن يحب ويراه خطئا في مفهوم اختياراته ولا يرى العالم حوله إلا « ذكرا ً « 
درجات الالم تزاداد مع المعرفة :
لا أدري ما الذي غيّر أبي ، وجعله شخصا ً مختلفا عما ، كنت أراه ؟
أقول ربما حياتي البعيدة ، هي التي جعلت مني فتاة عاطفية ، قادتها عاطفتها إلى عالم لم تكن تتصوره على الأطلاق ولا حتى التفكير به ولو على بُعد سنوات ضوئية ، انها شرارة الحب ، التي توهمنا بأننا أبطال ، وعلينا التضحية في سبيل هذا الحب .
الحب نوع من أنواع الوطنية ، يمنح ُ الأمان وا لاستقرار والانتماء ولكن كل هذا لم اجده في حبي ، الذي ما زالت أثاره عالقة بدمي ، ولم يمنحني اي انتماء انتمي إليه وهكذا فقدت هويتي الوطنية ، وصار علي أن أكنى باسم المحبوب الذي لم يعدا حباً بل صار أسماً ومعنى وأولاد لا ينتمون إلى هوية فقد ضاع انتمائهم بين أم لا يعطيها القانون حق منح هويتها وجنسيتها إلى أولادها وبين أب ٍمطارد سياسيا ً ، وهكذا التقينا جمع ٌ من المشاعر الغريبة .
كان علي ّ أن اثبت أني بطلة ، لأفقد كل انتماءاتي واردد مع ابن عربي « لا دين إلا دين الحب ».
الألم يصعد درجات بالإنسان . أنا أومن بهذا الصعود ، هو ما جعل مني امراة قوية ، صلبة ، شجرة عنيدة في بستان الحياة .
الألم ُ يشبهُ الهواء َ النقي ، يحرر الرئة من تلوث الحياة والقوانين و الأقارب . حتى أنني اشعر بفلسفة الألم وأفهمها كما يتحدث عنها « كيريجاد القبيح « ، لقد رفعه الألم درجات ، حيث كان يتحدث إلى امه . ارتفعت بألمي عن القوانين و الأنظمة والهويات الملعونة ، في جحيم عالم عربي نتئن . لا يؤمن بالحب ولا بالأنسانية ، مع أنه يبكي على أطلال الماضي ، حيث وضع قيس ابن الملوح قبلته الأولى على جدار ليلى ، وحيث المتنبي ، كان يمدح ويرثي ويهجو من أجل المال والمناصب ولكنه بقي خالدا في ذاكرة العرب على انه تراث وأدب وفكر ، لا يقدم ولا يؤخر للانسانية من شئ ، أما الهويّة فلا تمنح إلى اليوم ومنذ فجر العرب واسلامهم لأمرأة..
يد ٌ مبسوطة ويد مغلولة ٌ:
للذكر كلٌ شيء مباح ، الأرض والحجر والأسم والعائلة ويكون نبيا ً عندما ينجب ُ العدد الأكبر من الذكور ، من ينجب الذكور هو أولى بالأمارة والولاية .
في الخطاب الألهي ، نهى الله عن الكرم ونهى عن البخل بالمقابل ، ولكن البسط للذكر لا يقابله البسط للأنثى ..، تخرج العائلة على هذا الكلام وتتبجح بالعطاء الذي لا يتوقف ولا ينضبُ ، مسألة ليست سهلة في اداراكها واستيعابها ، أنه « الحلول أو الاحتلال  » _ « ولا ا »قصد هنا الحلول بالمعنى الصوفي.
ما أقصده بالحلول هنا ، هو دخول أنثى غريبة ، وخروج انثى حقيقة ، من حيث الدم والانتماء ، ولكن الحلول ياخذ صفات الحقيقة ، و تلبس الحقيقة ثوب الأخر قبل الدخول إلى عالم البطركيرية ، فان انجبت بحلولهها ذكورا كان لها الصدارة ، وإذا لم تنجب كان لها من المحبة بقدر عملها ..
قرأت كثيرا عن المتصوفة ، عن رابعة التي هامت في الله ،كأنه يراها ولاتراه ، تراه وهو يراها و هامت بعيداً في رحلتها الصوفية ، كنت ُأ ستمد منها قدرتي في العلو ، أحاول أن أنمو بالثمرات التي في داخلي ، ثمرة المحبة ، وثمرة التجربة التي عمقت وجودي في هذا العالم ، وجعلتني ارتفع حتى بسطت يدي للجميع ، ولكنني ما رأيت أيديهم إلا مشدودة إلى اعناقهم .!
كانت امي تحارب من اجل أي ولد ذكر من أولادها وترفعه وتنزهه إلى درجة الملائكة ولكنهم لم يرثوا منها إلا جفافها العاطفي مع الأناث من العائلة .
أمي لا تجيد غير حب الذكور من أولادها مهما تعالت قيمة الأنوثة عندها .
كان عليّ أن أسلك طريقاً آخر في الوعي ، كي
أ فهم َ العلاقة القائمة بين الذكور والأناث من حيث المعنى الروحي و النفسي ، إذ لا نجد مناصاً من الفصل بيهما. ذكرٌ يحُتضن ُ ويُدافع عنه ويُقدم له مهما كانت أخطاؤه .وأنثى وأعني هنا أكثر من واحدة ، هي دائما ً غائبة عن الحصص والجوائز والمكافاة ، حتى في درجة تقييمها الثقافي ، حيث ينظر إليها أنها أقل استيعابا ووعيا في فهمها للعالم وللكتب التي تقرأ وتستبعد من خزائن الأموال وألافكار .
كل ما يمر وسوف يمر على حياة المرأة سيبقى ضمن حدود الدرجات استنادا إلى النصوص (وللرجال عليهن درجة) قرآن كريم . حقاً ما زال للرجال عليهن درجة ، فمتى نسقطها ونساوي بين الدرجات ، بين الذكر والأنثى ؟ .

فرات إسبر

المصدر: الحوار المتمدن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.