المغرب.. الملك المعارض

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 17 octobre 2017 - 4:07
المغرب.. الملك المعارض

الخطاب لم يخلوا من لغة نقدية وأسلوب فيه من التوبيخ والجلد للآخر من الفاعلين السياسيين والعموميين، هكذا خاطب العاهل المغربي الشعب بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية. وهو الأسلوب الذي أصبح العادة المفضلة لدى عاهل البلاد في مختلف خطاباته الأخيرة بما يجعلنا نعود مرة أخرى لمتلازمة « الجحيم هم الآخرون »، وثنائية الشيطان والملائكة، وأخيار الوطن وأشراره، أو بالصيغة المغربية « الملك زوين اللي ضايرين به هما اللي خايبين ».

هناك ملاحظات كثيرة على خطاب الملك، وإن لم يكن هناك أي جديد في المضمون غير التلويح والإعداد النفسي لسيناريو غير عادي، فالثابت أنه بقي أسير نفس النمطية واللغة الروتينية المعهودة على خطبه ودون جديد حقيقي يستحق معه الوقوف حيث نفس العبرات الفضفاضة التي نسمعها دائما(ربط المسؤولية بالمحاسبة، تقويم الاختلالات، التأسيس لمقاربة ناجعة، الضامن لدولة القانون…)، يعني نفس التعابير التي ألفنا سماعها من ثمانية عشر سنة…
في ما يخص طريقة تدبير شؤون البلد فالملك لم يعد يحتاج إلى توضيحات فالصورة أصبحت واضحة بالنسبة إليه كما جاء في نص الخطاب وهذا شيء ممتاز ورائع، التعليم الصحة، القضاء، التشغيل..، كلها مواضيع أصبح لدى جلالته رؤية واضحة عنها فقط يلزم الحكومة والبرلمان ومختلف المؤسسات أن تقوم بواجبها.
من يستمع إلى اللغة الفوقية للخطاب ويقرأ قشور الأشياء ويكتفي بالوقوف على الشكل فقط دون الغوص في المضمون، فإنه حتما سيخال من الوهلة الأولى أننا أمام نموذج دولة ديمقراطية حقيقية تسير بشكل سليم وتحكمها مؤسسات منتخبة من الشعب وباسمه تدار البلد، وان أي مشكل وأي خلل فهو من هذا الأخير ومن المسؤولين الذي اختارهم لتمثيله…، وطبعا هذا هو قمة العبث والضحك على الذقون بعينه.

لماذا لم يتساءل رئيس الدولة في خطابه عن سبب عجز الأحزاب في إقناع المحتجين بجدوى المشاريع والأوراش التي فتحتها الدولة؟، لماذا لم يتساءل الجالس على العرش عن لماذا لم يعد احد يثق في نخبه التكنوقراطية التي مافتئ يحرص اشد الحرص على انتقائها بعناية من بين البطانة الصالحة النقية غير مختلطة مع أكوام الشعب؟

أولم يكن القصر نفسه من بذل جهودا لإفراغ محتوى الأحزاب من مضمونها؟، ألم يكن أكثر من سعى إلى جعل الوزراء المحزبين مجرد واجهات شكلية بمهمة الاستعراض الكرنفالي أمام الإعلام ليس إلا..؟؟، لماذا الملك يغضب إذا لأن وزراء وأحزاب جلالته لم تقم بدورها كما ينبغي؟؟.
أولا يعلم الجالس على العرش أن رجل سلطة في منصب صغير له من السلط والصلاحيات بحكم الأمر الواقع ما ليس لأكبر المسؤولين المنتخبين على كل مستوى ترابي، ويكفي فقط أن نطلع على صلاحيات القياد والعمال والولاة -غير الخاضعين لأي سلطة منتخبة- لكي نعلم كيف تتم الأمور ونعلم من هو المسؤول الفعلي على كل المشاريع والسياسات المرتبطة بها داخل أي نطاق أو مجال مهما صغر حجمها أو كبر ومهما تكن طبيعتها…؟، وبقية القصة تعرفونها.
فلمن صدقوا أطروحة « الزلزال السياسي » نقول لهم لا تنتظروا من الملك أن يقدم خدامه قربانا لعملية الإصلاح ويعيد المسار إلى السكة الصحيحة، ولا تنتظروا أن يقول لكم أنه فعلا قد أخطأ وأنه يتحمل مسؤولية التسعة عشر عاما من الإدارة السيئة للبلد، وأنه يعترف بذلك وسيقوم بتصحيح الأمر مع الحرص على عدم تكرار الأمر مرة أخرى.
اطمئنوا فالملك لن يعاقب ولن يقدم أي أحد من مقربيه للمحاسبة، ذلك على الرغم من أن الجميع في هذا البلد يعرف أنهم « شيطان إدارة وتسيير شؤون الدولة « ، ببساطة لأن علاقته بهذه الفئة هي أقرب لعلاقة اتفاق دفاع مشترك، ومعنى ذلك أن كل طرف يوفر الحماية اللازمة للآخر، فالحماية من المحاسبة ليست مجانية ذلك أن الولاء أن ليس مجانيا هو الآخر، بل هو أساسا للحصول على تلك « الحظوة » التي توفر لصاحبها سلطة ومزايا كبيرة أقل ما يقال عنها أنها لا يحدها لا قانون ولا أي شيء آخر غير سلطة الملك نفسه أو سلطة من هم الأكثر قربا منه. لذلك رفقا بعقولكم وقلوبكم لا تنتظروا أي من هذا أو ذاك.

فكفوا عن نفسكم إذا عناء انتظار سقوط الرؤوس المسؤولة مباشرة عن الفساد المستشري داخل دواليب كبريات المؤسسات داخل الدولة، وكفوا عن أنفسكم عناء انتظار تقديم أسماء الرؤوس الحقيقية لمختلف الإختلالات والاختلاسات التي بسببها فتحت العشرات من التحقيقات دون أن تصل يوما إلى نهايتها إسوة بأي تحقيق في أي قضية في أي بلد في العالم.

ففي هذا البلد يوجد منطق واحد هو السائد في بلدنا من يخططون ويضعون ويقررون البرامج والقرارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية هم في الأصل و الحقيقة لا يخوضون الانتخابات، بل إن القلة القليلة من يعرفهم ومن يعرف أسمائهم حتى، فهم قلما يظهرون على الإعلام أو على وسائل التواصل كما بقية الشعب، كما أنه لا يرتادون المؤسسات الرسمية « المكشوفة » كما بقية المسؤولين العاديين، ولا نعرف عنهم شيئا سوى أنهم « خدام دولة » دون أن نعرف حتى المقصود بالضبط بمعنى الدولة هنا، وإن كانت حتما لا تشمل الشعب ضمن أجندة خدماتها…
هؤلاء مهمتهم هي تنفيذ أوامر وتعليمات أناس آخرين قد يظهرون لنا أحيانا على القنوات التلفزيونية ، وقد يلجون المؤسسات المنتخبة كما ممثلي الشعب، وقد يعرفهم الكثير من الناس من خلال حضورهم الدائم على الإعلام باختلافه أو حتى على الألسن في الشارع…، لكن مشكلة هؤلاء ألا أحد اختارهم من الشعب ولا أحد انتخبهم ولا أحد أوكلهم لذلك كما هو مفترض في أي نظام يقول أنه فعلا « نظام ديمقراطي »، فهم مثل ذلك القضاء والقدر الإلهي الذي ابتلي به هذا الشعب ليس إلا.
فمعضلة البلد الحقيقية اليوم هو ن الدولة لا تحترم ولا تبالي لا بالدستور ولا القانون ولا أية مواثيق وتعاقدات مع الشعب. أما الأحزاب والانتخابات -إنْ وجدت- فهي مجرد واجهات شكلية لاتسمن ولا تغني من جوع، ومعظمها تجده تابعا لوزارة الداخلية نفسها شأنها شأن العديد من التنظيمات والجمعيات التي تجمل وتؤثث المشهد، لتكتمل بذلك فصول السيطرة والإحكام على الدولة والمجتمع ب قواه ومؤسساته كافة وبالطرق كافة المباشرة وغير المباشرة، الأخلاقية وغير الأخلاقية.
ففي المغرب هناك حقيقة ثابتة، وهي أن هناك واقعين ونظامين للبلد، واقع فعلي لا يحتاج أحد كثير جهد للعلم به، كما لن يستطيع أحد أن ينفيه، هذا الواقع يقول أن هناك رجل وحيد يحكم هو الملك، يمارس سلطات مباشرة ويوزع جزء منها على مساعديه من رجال ومؤسسات وربما عائلات وشركات….
وهناك الواقع الافتراضي والذي فيه يتم توهٝم و توهيم المواطنين البسطاء أن هناك نظام واضح به تتم الإدارة الحقيقية للبلاد، أي حيث هناك دستور وحكومة ووزراء، وهناك مؤسسات تمثل الشعب وتنتخب من طرفه وبالتالي هناك قرارات مستقلة تتخذ باسمه، وأن هناك أحزاب سياسية وبالتالي هناك ضمنيا حيوية ونقاشات تمس اللب والمعنى الحقيقي للسلطة وصناعة القرار السياسي في البلد.

ابراهيم حياني/موقع لكم

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.