#اليمن.. معشوقة الصيف

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 5 février 2019 - 8:43
#اليمن.. معشوقة الصيف
في أوائل سبتمبر/ أيلول من صيف 2018، وترويحاً عن النفس؛ وهرباً من وجعٍ تعيشه مدينتي الحبيبة تعز، غادرتها، وقتذاك، في رحلة ترفيهيةٍ دامت أسبوعاً. وفي رحلتي تلك، وجدتُ معشوقتي الأبدية، فقد كانت غانيةٌ مدللةٌ، ترتدي سجاداً أخضرَ، مرصعاً ياقوتاً وزبرجداً، على كتفيها وشاح مزركش، وكأنه مجموعة نجم تدلى منها.
سحرتني بجمالها، حينَ رأيتها، وأسرتني ضحكتها. عجيب أمرها. لماذا تتخلى عن حشمتها؟ لمَ لا أحدَ برفقتها؟ ولمَ تظهر لي؛ لابسة تلك الحلل الفاخرة؟ وجمالها يغنيها عن كل زينة وحلة، أهي عروستي؟
يا إلهي، من تكون هذه؟ ولمَ تكشف عن نقابها؟ ألا تعلم أني متزوج؟ ألستُ أعرفها؟ كأني قد رأيتها، وكأنها لأول مرة تبدو سافرة! ألا تعلم تلك الفاتنة، أن زوجتي لا تؤمن بمبدأ التعدد، وستحول حياتي جحيما، بمجرد عودتي للبيت مذهولاً.
أتقبل غانيةٌ ثريةٌ بي، وأنا لا أمتلك ياقوتة واحدة من الياقوت المبعثر على فستانها، فجيدها كجيد غزالة، وأية غزالة هي؟ ومن أين للغزلان بذلك العقد الذهبي الثمين؟
لم أستطع أن أبرح الأرض، صادت قلبي بسهام عينيها، تسمّرت مكاني، فاتخذت لي متكأً، وطلبت من رفاقي المكوث هناك، أخبرتهم أنه أفضل مكان للمقيل، مدعيا معرفتي بكل الأمكنة الماتعة في رحلتنا، وخصوصا في ذلك الصيف الباهر جماله في تلك المدينة.
لم أبالِ بزمهرير الرياح، على الرغم أن جسدي يقشعر منه بين آنٍ وآخر، إذ عشقتها بكل جوارحي، ارتشفت تلك النسمات العليلة الخارجة من ثغرها حين ابتسامتها، فزاد سكري.
داعبتها، وشممت رائحة سجادها، وحاولت غير مرة أخذ وشاحها ولم أستطع لكبر حجمه، ولعدم حصولي على جواب مقنع سريع لزوجتي الحبيبة حين تسائلني بعد أن تراه في حقيبتي: وشاح من هذا؟. تذكرت غضب زوجت، فتركته.
لوحت بيدي إليها خلسةً، أريد توديعها، وكانت شمس الأصيل تودعها معي أيضاً، وكأنه ذهب يذوب ويتساقط على وجنتيها. آه.. كم زادها ذلك الأصيل جمالا، لكني تركتها بجسدي فقط، أما روحي فلا، فقد انشطرت عند رؤيتها كذرة هيدروجنية.
عدنا إلى الفندق الذي نبيت فيه، ويا ليتني ما عدت. أكلت طعام العشاء ولم أعد أتذكر ما هو، شارد البال، مجزّء الروح، حتى أغصان القات لم تصنع لي سعادة كما هي عادتها.
أريد أن أتحدث لتلك الفاتنة، أريدها أن تسامرني، أتمنى أن تكون عشقتني كما عشقتها، أحادث نفسي: هل أنا جميلٌ حتى تعشقني؟
نظرت إلى وجهي في مرآة ذات زجاج محطم، إذ لستُ جميلاً بمستوى تلك الفاتنة، قبحتُ وجهي وقبحت حامله، وعلى الفور دخلت صالون حلاقة، وأخبرت صديقي الحلاق أني عريساً، فقالوا: نعيماً ومبروك.
ذكرتني مباركتهم بما يجب عليّ دفعه، حينها تذكرت أنّ جيبي فارغا، لقد دفعت كل ما فيه لعسكر الأمن، الذين لم يجدوا وسيلة للتبلطج علينا سوى رخصة القيادة.
أخبرت رفيقي الذي في كرسي الحلاقة المجاور، والذي لم تنتهِ حلاقته بعد، بدفع الحساب، واللحاق بي.
سبقته إلى غرفة استراحتنا، وفتحت شبكة النت، أريد أن أعرف اسمها، لا بد أن اسمها سيكون جميلاً. حينها، تذكرت شخصاً يعرف معظم غانيات المدينة، اسمه ياقوت الحموي.
اتصلت به على الفور، أخبرته بأوصافها، وأين رأيتها، وبكل شاردة وواردة عنها، فقال لي بأن جدها كان يسميها « الثجة ». لم أعرف مدلول اسمها، فقلت له: أليس لها اسم آخر؟ وأمها بماذا كانت تدللها وهي صغيرة؟
انقطع الاتصال لاستنفاد رصيدي، وفي تلك الليلة الموحشةِ لم يأتِني نومٌ يذكر، بل أتاني خيال تلك الفاتنة، رأيتها وكأنها لوحة فنان نقشت على جدران غرفتي، بدأ قلبي يرتجف خوفاً من كونها جنية، وبتّ طوال الليل وكل رفاقي سابحون في نوم غطيط، أعوذ نفسي بآيات القرآن الكريم، حتى مطلع الفجر.
نمت قليلاً، وقد ولج النهار واستيقظت متأخراً، ظللت أحاور نفسي: هل أذهب لرؤية تلك الغانية؟
وصلت مع رفاقي إلى أعالي جبل بعدان، وتحت الظلال الوارفة، نصبنا خيمتنا وبدأنا نمضغ قاتنا الشهي الثمين.
ومع بداية مرحلة النشوة، تمنيت أن أراها، وتذكرت اسم « الثجة »، سألت كل من رأيته عن هذا الاسم ومدلوله، أخبرني بعض أصحاب المعاجم أنه يعني « روضة أو حفرة يصنعها المطر ».
ظهرت أمامي فجأة وبحلة بهية، ظهرت والأنهار تنصب على رأسها انصباباً، ووقتها خاطبتها قائلاً: من أنت أيتها الفاتنة؟ ضحكت وقالت ساخرة: ألا تعرفني؟ لقد روادتك مراراً؟ أنت السلمي، ابن الغالية تعز، أعرفك تماماً، دخلت ذات يوم أطراف مزرعتي، وقطفت منها أزهارا!
وأضافت ممتنة: « كنت سأنهرك لكني عندما رأيتك تشتم أريجَ وردٍ، وتنشدُ أشعارَ عشقٍ، تركتك وشأنك، وقلتُ : « مجنونَ زهر ».
لحظتها عرفت بأن معشوقتي وغانيتي لم تكن سوى هذه المدينة، مدينة إب الجميلة، مدينة الأمطار والأنهار الجارية، مدينة الملكة أروى التى يحيّي قصرها شعاع الشمس كل آن من نافذة.

موفق السلمي – اليمن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.