امرأة تحتمل أكثر من قراءة

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 4 mai 2019 - 8:07
امرأة تحتمل أكثر من قراءة

مرَّ وقتٌ طويلٌ من دون أن يُنشرَ لها شيءٌ، ففي ذلك الوقت كانت لها أكثر من حياة. كانت متعبةً، الكسلُ منعها من الحركة. كانت متأكدةً أنّ الحياةَ في مكان معزول سوف يشفيها، لذلك كان الدير اختيارها الأنسب. أمضَتْ وقتاً ليس بقليلٍ مع طالبات اللاهوت اللواتي يقرأْنَ كتُبَهُنَّ الدينيةَ بتركيزٍ مصطنع.

حدائق كبيرة مفتوحة، نوافذ زجاجية عريضة، سكون تام، هذا تماماً ما كانت تحتاج اليه لتتصارعَ وتفكّر. قارورة نبيذ يوم أمس كانت كافيةً لتُشعرَها بوجود الاشياء أمامها، لتُحصيَ أشياءها بانتظام أو تحلَّ بعضَ المسائل الرياضيّة. أما في السابق فكانت طقساً تمارسُه لكي تغرقَ في اللاشيء وتسقطَ من وجودِ العالم المفترض فلا يبقى في عينيْها سوى أشباهِ حضورٍ ساكنين سكون الموتى.
كانت جذابةً ومثيرةُ، لكنها لم تكن ترى جمالَها. تتأملُ كلَّ صباح صورتَها المعكوسة من خلال مرآتها المعلقة في جدار غرفتها فلا تُميّزُ إنْ كانت ملامحُها ملامحَ أحياءٍ أو موتى. ثمّةَ سواد مخيف في عينيها. تتفحّصه بشيءٍ من الدهشة، تجمعُ بأصابعِها أطرافَ شعرِها وتعيدها إلى الوراء. هذا السواد في عينيْها يحملُ ضحيّةً تحاولُ أن تنجوَ بعبثٍ طفولي.
حزينتان، منهكتان، متعبتان ومثقلتان بدموع الارض كلها؛ دموع الصغار واليتامى والجائعين والناجين من الحرب كما من الحياة.
يُخيّلُ إليها أنها وُلِدَتْ من نجمةٍ في سماء بعيدة، لذلك كان تركُ مراهقتِها في العشرين كافٍ لتُبهِرَ الكبارَ غير المرئيين بالنسبةِ للنساء عادةً. ليسَ الامرُ تعقيداً للاختلاف بينها وبين من في عمرها إنما أعراضٌ جانبيّةٌ ورثَتْها من أصواتٍ مجهولة موجودة داخلها.
في الخارج كل شيء هادئ ورتيب بينما هي تكتب نصَّها بارتباك شديد. تتقدم قليلاً، تتوقف، وتعود للبدء من جديد. تعضُّ شفتَها السُّفلى في كسلٍ يستفزها وتتحسسُ أصابعَها الرقيقة فتحضنه وتحنو عليها محاولةً أن تتخطى ذلك الانقباض المفاجىء الذي جثمَ على صدرها.
لا بدّ أنَّ القراءة أكثر جرأة من الكتابة حاولت أن تُقنعَ نفسَها. مع ذلك كانت تحسدُ الكتّابَ لأنهم يمتلكون فرصةً أخرى، فرصة ليُغالبوا دمعةً تُغالبُهم وتكرههم لأنهم منافقون متبجحون. كل شيء ممكن. هكذا علّمتها أمها أن تؤمن، حتى ارتكاب الاخطاء.
من هذا أصبحت تراهن بكل شيء وتعلمت مع الليل ارتكابَ الاخطاء بوَقار. لم تعرف إن كانت الخطيئة يسكُنها إلهٌ، إن كانت تعاني أصلاً! لذلك أخذت تصنع خطيئتها يوماً بعد يوم إلى أنْ خرجَت بها إلى العالم.
عادت إلى بيتها في يوم خطيئتها تضحكُ كثيراً وتلهو كثيراً. وهكذا قادَتْها خطيئتُها الأولى إلى الخطيئة الثانية والثالثة. خطيئتُها الاولى صفعتْها لكنها لم تتألم إنما دُهشَت لها. أرادتها إلى جانبِها فحنتْ عليها وأمسكتْها من ذراعيْها وصلّتْ لأجلِها.

هناء الحاج – كاتبة من لبنان ومعلّمة لغة عربية

المصدر : الميادين نت

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.