باشاوات يحكمون ودراويش يدخنون: رحلات رومانسية في أزقة إسطنبول

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 6 octobre 2018 - 5:41
باشاوات يحكمون ودراويش يدخنون: رحلات رومانسية في أزقة إسطنبول

شكّل القرن التاسع عشر قرن الرحلات بامتياز، ورغم أن هذه الرحلات لم تتركز على مكان ما أو جماعة معينة، إلا أن الرحلات الأوروبية، ولاسيما رحلات الفرنسيين إلى البلاد الإسلامية فاقت كل الرحلات التي قام بها الآخرون من غير الأوروبيين إلى أوروبا.
ويشير بعض الباحثين في هذا السياق إلى ضرورة التمييز في أدب الرحلات بين يوميات المبشر عن مذكرات الجندي ومذكرات السياسي ويوميات الأديب.


وفي ما يخص الأدباء الفرنسيين فإن ما يُلاحظ في أدب رحلاتهم هو أنه إنتاج قام بشكل حصري على أدباء رومانتيكيين كبار مثل لامارتين، نرفال، غوتييه، فلوبير، بيير لوتي وغيرهم. والأهم من ذلك أن التمعّن في أدب الرحلات الفرنسية يكشف عن اختلاف في رؤية ودافع كل زائر للمنطقة، بين شاتوبريان الذي يبحث عن عبقريته الدينية وتفوقه العرقي وأنانيته، ولامارتين الذي يبحث عن آثار الله المرسومة على الشرق وبين الشاعر الهادئ بيير لوتي الذي كان وصفه للإسلام وصفاً بعيداً عن الوصف العنصري.
ورغم أن هذه الرحلات لا يمكن فصلها عن التأثر بالعلاقات المتأزمة بين بلدان المتوسط الأوروبية والعالم التي وسمت الفترة آنذاك، إلا أنها استطاعت أن تكشف لنا في أحيان عديدة عن صورة إثنوغرافية ليوميات الناس وحياتهم وعاداتهم في بلداننا الإسلامية. وهي صورة وإن بقيت تخلط الواقع بالخيال الرومانسي، إلا أنها ظلت تختزن جزءاً من تفاصيل فضاء المدن.
ويعدّ كتاب الكاتب الفرنسي بيير جوردا «الشرق الغريب الشرق المحتال» ترجمة مي محمود والروائي العراقي علي بدر، من الدراسات المهمة التي تكشف لنا عن المخزون التصوري للأدباء الفرنسيين (الرومانتيكيين) لعدد من المدن الإسلامية مثل مدينة إسطنبول، إذ نعثر في رحلاتهم على صور شيقة ورومانسية عن هذه المدينة، كما نعثر على صورة أخرى حول الحياة الجنسية داخل مدن الشرق، وعن وجود للنساء بشكل أكثف داخل فضاء المدينة، مقارنة بالصور الاستشراقية حول المدينة في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

الرحلة إلى إسطنبول

كان الذهاب إلى الشرق يمثل شيئاً مهماً في ذلك العصر. فهذا ما دونه ماكسيم دو كامب وهو يحيي ذكريات رحلته عام 1844. لا تعرف أين تضع نظراتك من كثر الديكورات الجذابة والمتنوعة. فهناك رأس السراي بأشجار الدلب والسرو، وهنالك الجدران المسننة والأكشاك، حيث تضم صناديق الخشب بأسيجتها الحديدية الضيقة. وجامع طوب حنا أسكوتاري بمقابره، والقرن المحزز بالقوايق وببازارتها وقصورها المزدهرة بالشرفات. والنوافذ المشبكة بالقضبان، التي تنغمر سلالهما المرمرية في البوسفور، وتطل على هذا المشهد منائر الجوامع البيضاء.
اندهاش أمام الحصون العظيمة التي تحيط بالمدينة، هذا ما عبّر عنه بعض الرحالة مثل غوتييه، ما دعاه إلى القول «سيكون من العسير علينا أن نفترض وجود مدينة حية، خلف هذه الحصون الميتة، أنت تخال نفسك عند أطراف إحدى مدن الحكايات العربية التي صعقت سكانها لعنة ما وحجرتهم».

حيوية الحركة تظل في هذه الأماكن خفيفة مقارنة بتلك التي تملأ البازارات، حيث يزدهر حشد من الرجال المحليين يتدافعون بالأكواع في إسطنبول: أتراك، ويهود، وأرمن، ويونانيون، وإفرنجة وعرب.

يكمل غوتييه حديثه عن أحياء المدينة «تصور شيء أكثر دناءة ونتانة من حي بلاط (حي اليهود) بينما يبدو من الفنار (حي اليونانيين الأثرياء بمنازله الأنيقة التي لها هيئة الأسوار) وليس هنالك من وسيلة لتطهير عاصمة السلاطين سوى الحريق. وفي ما يتعلق بخدمات إزالة القاذورات فإن الكلاب التي تضمر «حقداً أبدياً للأوربيين» تتكفل بالمهمة.
في المقابل لا يرى لامارتين في آيا صوفيا سوى هضبة لا شكل لها، وهي كومة بشعة من الحجارة المتراكمة التي يعلوها سقف يلمع تحت الشمس، ولم ير فيها فلوبيير سوى مزيج من الأبنية الشنيعة. ويصف غوتييه بصرامة جوامع السلطان بيازيد والسلطان أحمد بمنائره الست وآيا صوفيا بهندسته الباذخة، وهو يحكم على الداخل بالثقل، بيد أنه يعجب بالأبعاد الضخمة لأجنحتها، ومع أن وصفه التقني يخلو من الحياة، إلا أن دقته صارمة، ونحن نبحث عن الملمح الذي كان بارزاً فيه. وعن خارج عوالم الخاصة، حظي مشهد التجوال في الأماكن العامة بوصف العديد، خاصة المقابر والبازارات.
فالأولى هي عبارة عن جنائن حقيقية غير مشذبة، وقد هدمتها وخربتها البغال والكلاب وتحولت إلى أماكن لنزهة النساء. ويصف لامارتين هذا المشهد بإسهاب: «أماكن المقابر التركية المنزوية والعذبة، حيث نرى كل مساء المسلمين وهم ينكفئون منحنين على قبور أصدقائهم يدخنون الغلايين ويتحدثون بهدوء»؛ وقد رأى امرأة يافعة يرافقها أطفالها وخدمها وهي تحمل زهورا إلى قبر زوجها وظلت شيئاً من الوقت تبكي عند رماده.
كما يكتب لامارتين «سعيدون هم الأتراك حيث يرتاحون أبداً في موقع أصدقائهم المتوفين، فيجلسون في ظل الشجرة التي أحبوها، وعلى طرف التيار الجاري الذي سحرهم بهمسه، تزورهم الحمائم التي كانوا يغذونها في حياتهم، وتعطرهم النباتات التي زرعوها». ويتحدث غوتييه هو الآخر عن سحر هذه القبور الجميلة من المرمر الأبيض المبرقشة بالحروف التركية المذهبة على خلفية زرقاء بلون السماء، أو خضراء بلوح التفاح. فالتركي غالباً ما يذهب ليحلم هناك، وأحياناً تحت ضوء القمر «مع الموتى يحتسي القهوة ومعهم يدخن الشبوق». بيد أن حيوية الحركة تظل في هذه الأماكن خفيفة مقارنة بتلك التي تملأ البازارات، حيث يزدهر حشد من الرجال المحليين يتدافعون بالأكواع في إسطنبول: أتراك، ويهود، وأرمن، ويونانيون، وإفرنجة وعرب. وفي أطراف البازار يتربع البائعون في مضاجعهم ينتظرون الزبائن. وقد بهرت البوابيج (الأحذية) على الأخص والخفاف الرحالة المسافر، فهنالك منها (من جلد الماعز، ومن القطيفة والبروكار والنسيج المقصب بالحرير والذهب، وهنالك منه المنقط والمزركش بالشذر والمقصب بالجدائل، وهناك المقوس، والمرفوع، وهناك بوابيج تبعث الحسرة بأناقتها، كما يعبر عن ذلك أحد الرحالة.

الصلاة في الجوامع

لقد أوحى الأذان إلى بيير لوتي، عدداً من الصفحات الرقيقة إلى حد الانفعال، التي كرّسها للإسلام، فهنالك في كتابه «المبرورون من السحر» مقطعاً شعرياً مكثفاً، يقدّم لوتي فيه المؤمنين وهم يصلون بصمت في الجامع، بعد أن دعاهم صوت المؤذن العذب، في حين أنه الرومي الذي حُرِّم عليه الاقتراب من السقيفة الخارجية عندما ترتفع الصلاة.
هناك على الأقل ثيمتان دينيتان؛ وفق بيير جوردا؛ تتعلقان بالإسلام لم يهملهما زوار الشرق الرومانسيون؛ أولها صيام الإسلام الذي يشكّل مادة جيدة للملاحظة. ففي رمضان يتم الصيام بكرنفال طوال الشهر المقدس كله، إذ يمتنع المؤمنون عن الطعام والتدخين والشراب طوال النهار، وفي الليل كان يمكن لغوتييه ونرفال أن يستخدما أدلاء للسير في شوارع إسطنبول المشبعة بالأضواء اللماعة، مثل تاج العقيق لامبراطورية الشرق. حينما يضرب المدفع معلناً نهاية الصوم تدبّ في المدينة حيوية مرحة، إطلاقات مدفعية ونار، ويتسارع البلغار والشركس والجورجيون، والأرناؤوط، واليونانيون الأتراك بقفاطينهم فيشترون اللبن، والحلويات والعصير والمسكرات.
المشهد الثاني يتمثل في رقص أو طقوس الدراويش، التي بدت غريبة لامارتين وغوتييه، الذي عبر عن ذلك بالقول «إنه التعبير الورع الأكثر تقشفاً، ماذا كانوا يبصرون يا ترى في هذه الرؤى التي تؤرجحهم؛ أتكون غابات الزمرد بثمار العقيق وجبال العنبر وأكشاك الماس في الجنة؟».

ينامون كثيراً

من بين الأمور التي يرسمها الرحالة عن إسطنبول كذلك، صورة التركي الكسول، واللامبالي أحياناً؛ بيد أنه وخلافاً للرؤية الاستشراقية التقليدية فقد أحب بيير لوتي هذه اللامبالاة، ووجد شكلها التام والكامل في عادة نوم القيلولة الأبدي وفي الكيف المحبب: «كل شيء ينام بعمق، الخفير لدى الباب كان نائماً، وساسة الحمير الذين ينتظرون السيدات والقهواتي مع زبائنه في المقهى، وشياطين الألبان الضخام الذين يشكّلون فوج الحرس أمام سراي الباشا كلهم كانوا نياماً، إنه نوم البراءة، تاركين المدينة للهجران».
يا لها من حياة جميلة هي حياة الأتراك.. إنهم سعداء تحت سمائهم الصافية، فهم يدخنون التبغ الفاخر في غلايين طويلة، ويحتسون القهوة الشذية، وحيث يكون التركي ترى غليونه بيد وفنجان قهوته في اليد الأخرى، ويظل نائماً في أحلامه اللذيذة. وعند قدوم المساء ينامون على السطوح العالية، إنهم يكتفون بتسليات متواضعة، فهنالك الحمام الذي تصل درجات حرارته إلى الأربعين درجة، وحدهم الأتراك يعرفون كيف يستحمون. وفي المقهى، يذهب المرء للجلوس في مساواة أخوية تحت ظلال الدلب وعلى حصيرة من القش ليستمع إلى حكاية ملكة سبأ.
أما على مستوى حضور النساء في المجال العام، فيشير الرحالة الفرنسيون إلى إمكانية العثور على نساء في شوارع المدينة؛ والأهم من ذلك هو القطيعة التي يجريها بعضهم مع الخيال الجنسي عن مدن الشرق، بدلاً من سراب شهواني كان قد خلقه كُتّاب فرنسيون في القرن السابع عشر، عندما صوروا أو رسموا صورة عن رحلة مغامر في شوارع إسطنبول الضيقة تلوح له امرأة تسير بخفة، وتدخله عن طريق بابٍ سري إلى شقة مزينة. إنها ثيمة متكررة وزائغة وقد وجّه لها بيير لوتي نقداً لاذعاً في رواياته، إذ قال «لم يكن كل هذا سوى اختراع».

محمد تركي الربيعو – كاتب سوري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.