تناقضات الواقع بين السلطة وحركة الجماهير

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 19 octobre 2017 - 4:31
تناقضات الواقع بين السلطة وحركة الجماهير

فى أحد أعمال الكاتب والمخرج العظيم « برتولد بريخت » يبدأ العرض بتأخر فتح الستار لمدة طويلة تتجاوز الساعة، وما بين إضطراب الحضور وزمجرتهم، ينفرج الستار قليلا عن شخص من إدارة المسرح يعتذر للجمهور عن تأخر بدأ العرض بسبب تأخر سيادة الوزير فى الوصول  » الذى كان مفترضا حضوره » لأسباب قهرية، رجل فى آخر الصالة يقف معترضا بصوت حاد قائلا : لقد دفعنا ثمن التذكرة لا لكى نتمتع بمشاهدة الوزير ولكن لمشاهدة المسرحية، فليذهب الوزير الى الجحيم، عندها يتقدم رجلين مفتولى العضلات منه ويدفعونه الى الخارج ويكادون يحملونه حملا وهو يصرخ رافضا الخروج معهم قائلا أعرف أين ستذهبون بى، تثور حالة عامة من الإحتجاع لدى الحضور ويرتفع هتاف من الصالة: حرية حرية ليردده الجميع، ويكاد الموقف أن يفلت، بعد قليل يعود المحتج ومعه االرجلين الى صالة المسرح ضاحكين ليبدأ بعدها العرض المسرحى، فقد كان ما تقدم ماهو الاّ تمهيد للعرض المسرحى أبدعه بريخت صاحب العبقرية التى لا تتكرر.

ما يحدث فى مصر الآن شبيه بتلك المقدمة المسرحية الإستثناء فقط أن الجمهور لم يعد يعترض على الحدث وكأنه لا يعنيه، أو أنه غير قادر على الإعتراض، عموما,فتلك قضية مركبة، لا يمكن أن يكون سبب تقاعس الجمهور فيها هو السلطة أو أدوات القمع وحدها، (تلك التى لم تصمد تاريخيا فى مواجهة حركة الجماهير الغاضبة أو حتى الرافضة)، إنه معادل ذو قطبين تساهم فيه السلطة والمعارضة بقدر متساو، وهو ما سنعرض له.
لقد وصل النظام الحالى الى قمة السلطة فى أعقاب إحتجاجات جماهيرية واسعة شملت جميع قوى وشرائح الشعب تقريبا فى مواجهة نظام حكم دينى « شبه فاشى » للإخوان المسلمين الذى أثبت على مدار عام فشله وعجزه وعدم قدرته حتى على تقديم برنامج متماسك للتغيير سوى ما أطلق عليه « مشروع النهضة » وهو مشروع بلا ملامح أو خطط عملية، كل ما حققه ذلك النظام هو العمل على أخونة الدولة والمجتمع والعودة الى عهود قرطوسية متخلفة من خلال قوانين معادية للحريات وللمرأة والعدل الإجتماعى، فى ظل مناخ إقصائى لجميع مكونات المجتمع تقريبا من قوى سياسية وتيارات ثقافية وإجتماعية وأدبية وقضائية ..الخ، وكان نجاحه الوحيد بالإنفتاح على قوى دينية أكثر تطرفا وجمودا من سلفية وسلفية جهادية، وبعد موجة الإحتجاجات الكبرى فى 30 يونيو وخروج عشرات الملايين جاء يوم 3 يوليو حيث أعلن « الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع »، وبمشاركة أو مباركة عدد من قيادات المجتمع السياسية والروحية سلسلة من القرارات عرفت باسم « خارطة الطريق » تمثلت فى إقصاء محمد مرسى وجماعته عن الحكم وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بتولى منصب الرئاسة المؤقت وإعادة صياغة دستور جديد وإجراء إنتخابات تشريعية ورآسية.
كان على النظام الجديد مواجهة مجموعة من التحديات العاجلة لترسيخ وجوده وإثبات قدرته على القيادة تتمثل أساسا فى ثلاثة معضلات رئيسية وهى الوضع الأمنى المتردى مصحوبا بعمليات إرهابية متصاعدة فى سيناء وبقية الوطن، أيضا وضع إقتصادى متدهور وتوقف الإنتاج « تقريبا » وما صاحب ذلك من إستفحال ظاهرة البطالة وإنفلات الأسعار وتوقف عدد كبير من المصانع عن العمل، وأخيرا هو إعتماد اساليب الإحتجاجات الجماهيرية العنيفة لمواجهة ما تعتبره ظلما كقطع الطرق وإحتلال المؤسسات العامة ومنع بعض القيادات الإدارية بالقوة من ممارسة عملها، والتظاهر الإسبوعى « بسبب أو بدونه » فى ميدان التحرير والميادين العامة بالمحافظات وغيرها، لذا فقد لجأت السلطة الجديدة لمجموعة من الأساليب والقوانين القمعية لتبريد حالة الشارع وتحقيق بعض الإختراقات للتغلب على تلك الأوضاع كان منها تعديل وإضافة قوانين مقيدة للحريات كقانون التظاهر وسلسة قوانين العمل والنقابات والجمعيات الأهلية والحظر من السفر والتعذيب بأماكن الإحتجاز والسجون قد تصل الى القتل، وكذلك إعادة حالة الطوارئ وتجديدها بشكل غير دستورى، الى مالا يمكن حصره من قوانين وإجراءات مقيدة للحريات والحركة وإنغلاق أفق تداول السلطة.
ونظرا لعدم إمكانية مناقشة جميع القوانين والممارسات المعادية للحريات التى إجترحتها السلطة فى الثلاث سنوات الأخيرة، فاسمحوا لى أن أتعرض لتلك الممارسات التى حدثت فى الأسابيع الأخيرة، أولها ما أثار موجة من الإحتجاجات وهو قانون الجنسية « أو سحب الجنسية » المعروض على المجلس لإقراره، لن أناقش القانون من ناحية دستوريته « وهى مهمة » ولكن ما أعتبره خروجا فجا إتبعته السلطة فى العديد من قوانينها فى تلك الطبيعة الديكتاتورية للقانون الذي يقضي بسحب الجنسية من المصريات والمصريين حال الانضمام إلى كيانات تهدد النظام العام للدولة أو تقوض نظمها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو حال الإدانة بجرائم مضرة بأمن الدولة، فمن جهة، توظف هنا صياغات مطاطية مثل النظام العام والتقويض والوسائل غير المشروعة التي تغيب تعريفاتها القانونية والقضائية المنضبطة، فهذه النوعية من الصياغات تفتح المجال للسلطة في إدانة المغضوب عليهم بجرائم هلامية وإجبار المحاكم على إنزال العقاب بهم سلبا للحرية وللملكية الخاصة وسلبا للجنسية، وإلغاء كافة الحقوق المدنية والسياسية التي يرتبها التمتع بالجنسية، ويحضرنى هنا عدد من القوانين السالبة للجنسية التى إعتمدتها الأنظمة النازية والفاشية بأوروبا بعد الحرب الأولى تتضمن قوانين شبيهه بالقانون الحالى.
فى الجانب الآخر توالى فى الفترة الأخيرة عمليات حجب المواقع الإلكترونية والصحف المستقلة والأفراد خاصة الحقوقيين المستقلين وكذلك إغلاق ومصادرة المكتبات، ودائما يطلع علينا الإعلام الرسمى بأن ذلك تم بسبب أشياء شكلية تتعلق بالترخيص أو التجديد وغيرها من المسائل الإجرائية الموجهة والمقصودة، وليس لسياسات الحجب غير هدف واحد هو منع تداول المعلومات والحقائق بشأن أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية وقضايا الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان لكي يتواصل تزييف الوعي الجمعي للمصريات والمصريين، وفرض المواقف الرسمية والادعاءات الحكومية كرأي أوحد على الفضاء العام وتكميم أفواه أصحاب الآراء المستقلة والمعارضة ومن ثم تعقبهم وقمعهم.
آخر ما خطر من إفتكاسات هو تلك الإستمارة المجّهلة « عشان يبنيها » بعد أن فشلت محاولة تغيير مدة حكم الرئيس وتمديدها الى 5 أو 6 سنوات، تلك الإستمارة المشبوهة المنتشرة على وسائل التواصل الإجتماعى والتى يروّج لها مجموعة من الإنتهازيين برلمانيين وفنانين ورياضيين معروفين بنفاقهم للحاكم فى عصر، ولا يمنع فى النهاية أن تخرج علينا مؤسسة الرئاسة معلنة أن لا صلة لها بكل ما يثار بعد أن تكون العملية قد أتت أكلها.
سياسة إضرب المربوط نجح النظام ببراعة فى تطبيقها على المختلفين سياسيا، ومما لاشك فيه أن تغول الأحهزة الأمنية فى كل مناحى الحياة يؤدى الى تشويه الواقع ويجعل رأس السلطة يبنى توجهاته على تلك التقارير الأمنية، وعلينا أن نراجع أن الأجهزة الأمنية تاريخيا تنزع الى نظرية المؤامرة واعتبار المشتبه فيه متهم الى أن تثبت براءته وليس العكس، ويضع الأمنيون هواجسهم فى صدارة الأولويات الحكومية، ويتدخلون بقوة فى تعيين هوية أصحاب المناصب العليا فى الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية، ويخضعونهم فى أفعالهم وممارساتهم لرقابة «الأمن» ويهمشون عملا دور الأجهزة الرقابية المستقلة (كالجهاز المركزى للمحاسبات) التى يفترض أن يجرى سلطانها على الأمنيين والمدنيين على حد السواء.
يبقى أن نناقش الواجب الملقى على المجتمع المدنى متضمنا الأحزاب والجمعيات الحقوقية والمدنية والنقابات وغيرها، وبعيدا عن مقولات معممة من نوع « نهاية الأيدلوجيا » فالملاحظ هو تقلص دور الأحزاب وإنحسار تأثيرها كثيرا لأسباب قى معظمها تخص تلك الأحزاب ودورها المتراجع على المستوى التنظيمى والجماهيرى، وهذا الموضوع يستحق أن يفرد له مقال مستقل.
السلام عليكم.

رياض حسن محرم / الحوار المتمدن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.