خطاب الكراهية يوظف لصالحه كل نظريات الصراع والتطور

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 19 octobre 2018 - 10:25
خطاب الكراهية يوظف لصالحه كل نظريات الصراع والتطور

المصالح السياسية تغذي النعرات الطائفية في المجتمعات الرخوة، والداروينية تنحرف من « البقاء للأصلح » إلى « البقاء للأقوى ».


ينبني تراث العالم القديم على الكراهية في جزء كبير منه ومؤثر بقوة فيه، وكانت ثنائية الكفر والإيمان تؤسس لهذه الكراهية أو تبرر لها في قاموس السياسة وثقافة الحضارات والدول في العصور الوسطى، وكانت كلها تتشارك في هذا المبدأ وتجد فيه مبررا قانونيا وأخلاقيا لإعلان الحرب على بعضها البعض، وهي في صميمها أو هدفها فرصة تمنحها الدول الكبرى آنذاك لسياساتها وخططها من أجل توسيع أملاكها وزيادة مساحة أراضيها التي تستولي عليها بواسطة الحرب المؤسس لها والباعث لها في الكراهية المصممة وفق استراتيجيات الفتح المخطط لها وعمليات التوسع التي كانت تستحوذ على الانهمام السياسي للدول الكبرى الوسيطة. والحقيقة التاريخية الصادمة لو استثنينا الكراهية.. هل كانت للتاريخ القديم والوسيط وجهته وصورته ووقائعه المعهودة؟ أم أن التاريخ سيأخذ منحى آخر هو مسارات الأنبياء والرسل المبشرين بالمحبة الإلهية؟
على أي حال ما وصلنا من هذا التاريخ أو ما أوصلنا إليه هو ذلك الحيز من الظواهر المؤسسة على الكراهية في ذلك العالم القديم والوسيط.
لكن آثاره لم يتخلص منها العالم الحديث رغم محاولاته الفكرية والقانونية في تجفيف منابع الكراهية ومداركها الثقافية والاجتماعية لكنها انبثت عبر قنوات أخرى مما يؤشر ذلك الجزء الكامن من الكراهية في حياة وتاريخ البشر ليتحول إلى منابع للأصولية سواء في نسختها الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية.
لقد جاءت نظريات الصراع ونظريات التطور في العالم الحديث لتؤكد هذه الواقعة بشكل ضمني في مناهجها ومن ثم تأصيلها في تاريخ البشر.
فالصراعات التي شهدت لها تفسيرا معرفيا في هذه النظريات وتبريرا تاريخيا كرست عوامل الكراهية بين فئات وطبقات المجتمع سواء داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات المتعددة وأحالتها إلى حقائق تاريخية، وقد تمكنت تلك الفئات والطبقات والمجتمعات من استساغة هذه الكراهية وتبريرها وفق هذه النظريات مما دفع إلى المزيد من الحروب والقتل والدمار.
وجاءت نظرية التطور الداروينية في نسختها الاجتماعية لتبرر الحرب من أجل البقاء للأصلح الذي تحول في هذه النسخة إلى الأقوى ونتجت عنها كراهية العنصر البشري الأضعف، وهو ما أنتج تلك السياسة المقننة للتمييز العنصري في الغرب واستثمار أفكار التطور لغرض تبريرها فأنتجت المزيد من الكراهية للعنصر البشري الأضعف وهو يشمل السود والملونين والأفارقة والآسيويين باعتبارهم يعانون من نقص بيولوجي- طبيعي لا يؤهلهم للبقاء.

فئات وطبقات ومجتمعات تمكنت من استساغة الكراهية وتبريرها وفق نظريات، مما دفع إلى المزيد من الحروب والقتل والدمار

وكانت النازية والفاشية تؤمنان بالدلالة العلمية في نظرياتهما القائمة على التمييز والكراهية وقد نتج عن تلك المشاعر المعبأة بالوهم وخرافة الدماء النقية والعرقية المتعالية ذلك الخراب والدمار والقتل الجماعي غير المبرر حتى في منطق الحروب القديمة وهو ما حدث في الحرب العالمية الثانية.
لقد استعاض العالم الحديث بثنائية العرقية المتضادة في الدماء النقية والدماء الخليطة عن ثنائية العالم الوسيط في الثنائية المتضادة في الإيمان والكفر، وكان العالم الحديث في تمييزه العنصري والعرقي يعود إلى مفاهيم العالم القديم في إيمانه بتراتبية ومستويات الدماء التي تعود إلى الأصول الفرعونية- المصرية وقد عبرت عنها لدى الفراعنة القدامى ظاهرة الزواج من الأخوات بالنسبة إلى ملوك وأسر الفراعنة من أجل المحافظة على نقاء الدماء الإلهية المزعومة.
وإن حالات الازدراء التي تنشأ عن هذا التمييز في الدماء وتنتج عنها الكراهية في توثيقاتها التاريخية إنما تهدف إلى بقاء السلطة والقوة بأيدي الطبقة الحاكمة والفئة المتسلطة وأن اختيارها للسلطة قدر طبيعي واستثنائي، وتشكل الكراهية المتبادلة لازمة طبيعية أخرى في هذه المعادلة التي تكرس وجودها من أجل السلطة.

كل من له منفعة من تفشي وسيادة خطاب الكراهية من جهات سياسية واجتماعية، يسعى -بصفة آلية- إلى توظيف جميع النظريات الاجتماعية وحتى الفتوحات العلمية في سبيل تحميل الخصم مسؤولية عدم القدرة على التطور والاستجابة لمتغيرات العصر. إن الأمر، وبشكل من الأشكال، محاولة لعقلنة وتبرير مشاعر الازدراء والكراهية والإحساس بالتفوق العرقي والثقافي.

مما يكشف عن ترويج متعمد ومقصود لمبادئ الكراهية سواء في التاريخ القديم أو التاريخ الحديث، ويكشف في التاريخ الحديث عن إصرار سياسي- اجتماعي متعمد في إطالة أمد هذا التوظيف من أجل ضمان المصالح وإضعاف الخصم بتحميله مسؤولية عدم قدرته على التطور والاستجابة لمتغيرات العصر.
ويستمد منه ثقافيا مفهوم الازدراء ذا البعد الأيديولوجي للآخر، فالازدراء حالة تنشأ في الفكر لكنها تنتج الكراهية في القلب فالكراهية شعور سلبي يستوطن القلب والمشاعر وقابل للإدامة والتوريث أو كما يقول شوبنهاور “الكراهية تنبع من القلب والاحتقار من العقل وكلاهما خارج الإرادة”، وهنا مكمن الخطر فيها، حين تخرج عن إرادتنا وهو ما يكفل لها الإدامة والتوريث الثقافي والاجتماعي.
وإذا كان العالم القديم يعيش حالة الانفصال بين الأمم والشعوب أو التواصل بشكل نسبي فإن العالم الحديث يعيش حالة التواصل المستمر والاتصال الدائم مما يمهد للاحتكاك غير المنقطع بين الأعراق والثقافات، وهو احتكاك يتحول بفعل الكراهية الموروثة إلى التوتر المستمر في العلاقة نتيجة التمايزات العرقية والثقافية.
وكان للتواصل المستمر في العالم الحديث لا سيما من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أثره البالغ في نشر الكراهية عبر نقاط الاحتكاك المباشر- المرئي والمسموع التي توفرها تلك المواقع الإلكترونية وبالتالي فإنها تضع خارطة من الكراهية تغزو العالم وتهيمن عليه لا سيما عالمنا العربي والإسلامي الذي وفرت له تلك المواقع وشبكات التواصل والقنوات الفضائية خطوطا لبعث كل ما يحتويه التراث في عالمنا القديم من الكراهية المبنية على ثنائية الكفر والإيمان، وأضافت إليها الوقائع ثنائية التمييز المبنية على العرق والضد النوعي له، وهو ما أسهم إلى حد كبير وبالغ في تعريض الهوية الإسلامية إلى خطر التمزيق الطائفي ثم توغل في خطورته إلى تمزيق الوطن وتفتيت الهوية الوطنية.

النظرة المتبادلة والحاكمة في العلاقة بالآخر والتي ظلت عالقة في ذاكرتنا الإسلامية هي التي أورثت الكراهية المذهبية ومن ثم الطائفية

لقد كانت أكثر مناطق ودول العالم الحديث استهدافا وعملا للكراهية ونشرها هي المنطقة العربية، فهذه المنطقة التي تعيش على موروثات الثقافة القديمة حيث ما زال الفعل العاطفي لتاريخها القديم مستمرا في حركتها أو في تحريكها وزيادة توترها وبناء صورة الآخر وفق ذلك النمط في ثنائية الثقافة القديمة التي تتوزع على ثنائيات منها الثنائيات الخارجية وتشمل تصنيفات دار الإسلام ودار الكفر أو دار الإسلام ودار الحرب، وثنائيات داخلية تتوزع على تضادات المسلم والخارجي والسني والرافضي والمرتد وأهل السنة والجماعة والمخالفين من الفرق، وتؤشر الحالة الرسمية في كتب الفرق والملل والنحل على أنها لا تطلق اسم المذهب على هذه الفرق من أهل الإسلام وهو تأسيس لنبذها وكراهيتها، وهناك ثنائية المسلم والكافر وفي الكافر ثنائية كتابي وذمي في ظل الدولة الإسلامية- التاريخية لا سيما بعد أن انتهى عصر الكافر الأصلي وهو الكافر الوثني.
وتتشارك كل مذاهب المسلمين وفرقهم في نبذ الآخر المختلف وتصنيفه ضمن الآخر غير المقبول والمنبوذ دينيا واجتماعيا، وهو ما يؤسس لتبرير كراهيته وكأنها لم تعهد أو لم تقرأ قول علي ابن أبي طالب “الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق“.
وتلك النظرة المتبادلة والحاكمة في العلاقة بالآخر والتي ظلت عالقة في ذاكرتنا الإسلامية هي التي أورثت الكراهية المذهبية ومن ثم الطائفية التي أنتجتها بامتياز فترسخت الكراهية شعورا سلبيا، ومكمن الخطر فيها أنها تتحول إلى مغذ دائم للمشاعر تجاه مفردات الحياة، وتورث ذلك الإحباط المستمر والدفع به نحو الانتحار فيما يعرف بالعمليات “الاستشهادية” الانتحارية في سياسات وعمل الكراهية وهي نتاج جفاف بذرة الحب واختفاء السلام الداخلي تجاه العالم.
وتكرس أدبيات الكراهية الطائفية والعرقية تلك النزعة في مجتمعاتها وانتقالاتها المستمرة نحو الداخل الطائفي والعرقي بشكل ارتدادي وانعكاسي يجعل الذات الاجتماعية للطائفة والعرق هي المستهدفة بالكراهية بين أفرادها وفئاتها.

حكمت البخاتي

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.