عقدة المال والسياسة في المغرب

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 7 juin 2018 - 10:27
عقدة المال والسياسة في المغرب

يحدث أن قوة المال الخاص وسلطة تدبير السياسة – حتى في الدول الديموقراطية المتقدمة – يتداخلان عند نقط تقاطع معينة ، لأن كليهما يميل ، بطريقة حضوره المتغلغل داخل الحاضرة ، إلى التنافس والتسابق على ترسيم العلاقات الاجتماعية ، و احتواءها و شبكها ، بما يخدم جانب مصلحته و غاياته الرئيسية .


الدولة طبعا ، تقوم بهذا ، عن طريق الاضطلاع بالمزيد من المهام والخدمات ، المقدمة للفرد وللمجتمع ، مع إستدخال النواة الأسرية و امتدادتها المؤسساتية الاجتماعية (التعليم ، الصحة ، تقنين أوقات العطل ، إلخ) في مرمى مقاصدها .
أما الرأسمال المستقل ، فيعلن سلطته ويفرضها داخل الاسواق الاقتصادية ، من خلال تداول وتسييل الرساميل ، وضخها واستثمارها في عدة قنوات تجارية ، بحيث يجعل حركيته المتفاوتة ، حضورا أو غيابا ، صعودا أو هبوطا ، تطوف حول مراكز و دوائر الأعمال ومشاريع الربح ، (و على نحو أكثر برودة وحيادية أحيانا ) ، خالقا بهذا ذالك المناخ الحاضن و المزكي ، لكل الممارسات و التعاملات التنافسية المشروعة ، التي لا يمكن أن تجد فيها بعض قيم المجتمع ، كالتضامن و المؤازرة ، مرادها ؛ لأن منطق السوق ، يبقى في معارضة شبه تامة ، مع أغلب السلوكات الأخرى ذات السمة و المرجعية القيمية التعاونية ، التي تفترض ، قبليا ، وجود تآخي وتلاحم ورعاية مصدرها عقد اجتماعي ضمني مسبق يلزم الكل .
لهذا الدولة ، أمام دينامية الأسواق الاقتصادية الحرة ، أو بعبارة اخرى ، حينما ينتصب الرأسمال المستقل الخاص في مواجهة السياسة ، لاينعقد نشاطهما بالضرورة في التخطيط لأمر مشترك ، أو يصب في اتجاه واحد مع اهدافهما المستترة ، مزامنا ،بالتالي ، بين حركيتهما و غايتها داخل قطاعات واسعة تتجذر في تلافيف وتربة الواقع .

بل الذي يطرأ ، غالبا ، هو العكس :

فالمعروف ، أن غالبًا ما تتعارض ، وظائف الضبط ، والتدخل وإعادة التوزيع ، التي من المفترض ان تجسدها مؤسسات الدولة الراعية للصالح العام ، مع قيم التبادل المتحيزة ، اساسا ،الى شراهة ونزوات البيع والشراء والبحث عن الربح وأقصى المردودية .
وهذا ، ما يميز طبيعة الأسواق ، ويجعل من عملية خلق مزيدا من القيم المضافة ومراكمة مزيدا من الرأسمال، شحذا فعليا لديناميتها العميقة بامتياز؛ و نهجا لا يمكن الاستغناء عنه ، من طرفها لأنه من صميم عمل ميكانيزماتها الداخلية و سر كنهها الحقيقي .
في الغرب مثلا ، و مند بداية مسلسل الترسيخ التدريجي ، لركائز النظام الديمقراطي، و تبعا لمبدأ تحصين المؤسسات السيادية أولا من سرطان الفساد ، سيتم إفشال قانونيا و تشريعيا ، خطة اعتماد المال كرافعة ، و كإمتياز ، وكجسر يسهل الوصول الى تلك المناصب المتمنعة ، وبالتالي الاستحواذ عن طريقها على الأجهزة السياسية .
فدسترة الدولة ديموقراطيا ، وتقنين علاقاتها بالافراد ، الذين يخضعون طوعا لسلطة الواجب و تحمل المسؤولية ، ينجم عنه جعل المواطنة والتصويت والانتخاب، حقوقا مرتبطة بعدالة مؤسساتها كأساس وحيد وطريق نزيه للوصول إلى كراسيها.

وبالتالي لا يمكن للنسب والألقاب ولا العرق ولا الدين ولا ثروة المال أن تبرر التمييز بين أفراد المجتمع السياسي.

من المسلم به ، أن هذه المبادئ الكونية المجمع عليها في المنتديات السياسية الدولية ، من خصائصها الرئيسية و الأولية ، أن تبرمج مباشرة للتحيين بعدما تم المصادقة عليها ، فليست معطاة لتكون عرضة للتماطل وللمرواحة الافتراضية على الورق ، أو تركها في وضع مقتضيات معلقة ، او جعلها قناعات صنمية محنطة ، بدلا من التسريع بإنزالها فورا ، وحقنها في شرايين الواقع الحي الملموس ؛ وكما هو مسجل تاريخيا ، ‘فهذه من بين السلبيات البارزة ، المساهمة في أعطاب المجتمعات السائرة ببطئ ، على سكة مايسمى مرحلة  » الانتقال الديمقراطي  » .
هذا الانتقال الديمقراطي،إذن ، الذي حسب نظرة كثير من المراقبين الدوليين ، لم يخرج بلدنا بعد من متاهاته السياسية الرمادية غير الشفافة ، مند أن أمسى، عالقا في شباك مطباته العصية على الحل ، هو الذي سيحيلنا على مسألة راهنة ، مازالت تداعياتها تثير أسئلة حارقة وتستدعي مقاربات متعددة ، ألا وهي زواج المال بالسياسة .
ففيما سيلي ، سأحاول أن أبين ، في فقرات إضافية ، مصدرها حزمة من ملاحظات مكثفة ، تراكمت بفعل قوة إثارة الأسئلة المزعجة ، حتى تبلورت على هذه الهيئة :
بداية ، لقد كانت دوما الأموال ، تحشر أنفها القذر في السياسة ، إما بشكل متعجرف ، كما كان الأمر في عهد النظام العتيق الذي حضنها في حظائر الريع السائب ، و نماها رويدا رويدا حتى تقوت سلطويا ، أو بطريقة تريد أن تكون مبهمة و محتشمة ، كماهو حال رجال الأعمال، عندنا ، الموسمين بفرسان الجيل الذهبي ، و أبطال منجزات العهد الاقتصاد الجديد !
ولهذا ، لم يمكن من الممكن ابدا ، أن يتجاهل رأسمال العائلات الثرية وقتها ( المحمية من فوق عموديا والمتحالفة من تحت أفقيا ) المداخل التي تؤدي الى قلب دهاليز السياسة …. و هذا حتى لو غيرت هذه الدهاليز ، صباغ جدرانها المتهالكة بفعل رطوبة وطحالب الفساد الأخطبوطي ، العالق بها مند تعقيدات فترة الاستقلال ، إلى يومنا هذا .
فلطالما ، اراد الكثير من النخب و الخبراء المحللين الحربائيين -عبر منصات الدعاية المنتشرة كالفطر – طرح صورة اخرى عنهما !

تارة ، إما بوصف علاقات المال و السياسة في المغرب ، وبدون خجل ، بانها عرفت طريقا شاقا ، حتى بلغت محطة الإستحقاق المتبادل ، وأنها فعلا حصيلة مشرفة ، لقصة نجاح شبه اسطورية !….

مع ان السؤال البسيط الذي يتبادر هل هذا الاستحقاق مستحق اصلا ؟ ألن يثير اي ريبة ، خاصة في أذهان أولائك المتشككين المغرضين ، أمثالنا الذين في أنفسهم بقايا من حرف  » حتى  » ، تجاه اشخاص ، يخيمون على المشهد السياسي الاقتصادي المعاصر ،بظلالهم و بمشاريعهم المالية الضخمة ، التي تطاردها كل مرة شبهة تنازع المصالح le délit de intérêt
فهناك مثلا ، شخصيتان عموميتان ، آثارتا جدلا متواصلا في النقاش العمومي ، سنين متوالية . أولهما ، السيد رجل الأعمال و الوزير عزيز اخنوش امين عام حزب تكنوقراطي ، لصيق إداريا بالدولة ؛ ثم يتبعه رجل شركات التأمينات بإمتياز الوزير الليبرالي الطموح ، مولاي حفيظ العلمي ، كنموذجين لايمكن غض الطرف ، دون الاستفهام عن مصدر تضخم ثروتهما ، و ولا يمكن المرور دون طرح أسئلة ، حول الامتيازات الاستثنائية التي حصداها خلال كل هذه المدة .
وتارة أخرى ، بختم تلك العلاقات و صبغها ببريق الانسجام المصطنع ، والتلاحم المعجز الغامض ، الذي سيفتن حتما و يغري ، المتفائلين السذج من أبناء الشرائح الصاعدة المحسوبة على تلك الطبقات الوسطى الناشئة ، و ربما يسيل لعابهم ويدفعهم للمحاكاة و التقليد .
مع ان عين العقل . هو الاعتراف من طرفهم ، ولو بشكل محتشم ، أن هذا التحالف بين المال المحصن بالأعراف ، و كماشة السلطات السياسة المتوغلة مزيدا في خصوصية الشؤون الاقتصادية ، هو في آخر المطاف، الذي سيفسر جزئيا الأزمة التي أثرت على مناخ الأعمال في المغرب و خرجت مباشرة من ألاعيب حلبة السيرك السياسي ، الذي هيمن خلال كل هذه العقود المتوالية .
وإذا انتقلنا ، بسرعة ، من زيف تحاليل الخبراء إياهم – الذين ذكرناهم فوق – سنصطدم الان، بزجاج أوهام النخبة الاقتصادية .
وذلك أن التبعية الاقتصادية غير المباشرة للخارج ، وإشعاع الهيبة الذي تعكسه مؤسساته المالية الغربية ، و مكانتها الدولية المهيمنة على اقتصاديات الدول غير النامية ، فضلا عن معقد النقص الدائم إزاء قوتها ، والانبطاح المستمر لوصاياها ،هي كلها عوامل بمقدورها ، أن تساعدنا نسبيا ، على اعطاء تفسير مقتضب ، لمبعث ذلك الاطمئنان والإنشراح، الذي يبديه دوما جزء من النخبة السياسية والمالية عندنا ، في أوقات الإنفراج !

فعلا ، انشراح ينتشي بإنجازات لم تبلغ اهدافها كماهو العادة !

وذلك ، مثلا ، من خلال الترحيب بتحسن طفيف لمؤشرات نمو الاقتصاد المغربي ، المسطرة في تقارير البنك الدولي، أو عند تلقف لفتة ايجابية مفاجئة ، صادرة من جناب قداسة أولياء صندوق النقد الدولي ، تبارك التدابير المعتمدة بالداخل، أو أخيرا عند تلقي خبر نصف سار ، بأن مناخ وبيئة الأعمال ، حافظا على التنقيط السيادي الممنوح من طرف وكالات التصنيف العالمية !
وكالات التنقيط هذه التي بالضرورة يستوجب احيانا التساؤل عن وظيفتها الفعلية ومدى تأثيرها على القرار الدولي العالمي، ماليا واقتصاديا، و الأهم في كل هذا مدى المصداقية الممنوحة لها من لدن الأوساط المراقبة لتطور الاقتصاد العالمي..
فكما هو معلوم تبني وكالات التنقيط، ومنها موديز وستاندار آند بورز، خلاصاتها على معايير نقدية وبالتالي فهي تقوم بتحاليلها و بتقييم المخاطر من زاوية مالية محضة ، رغم كل مايقال أنها دراساتها تعتمد على ما تجنيه ميدانيا من آراء الفاعلين الاقتصاديين وأصحاب القرار في كل بلد على حدة
فهناك من يحاول أن يداري على ماضي أخطائها الكارثية في مجال التنبؤ الاقتصادي لأنها ، سابقا، كانت المتهم الرئيسي في نظر المستثمرين واﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻷﺧﺼﺎئين و الخبراء اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳن في كثير من الأزمات التي كان سببها الأول توقعاتها الخاطئة ، و تنقيطاتها المشبوهة ، والمختلة ، ﻣﻦ ﺧـﻼل اﻟﻄﻌـﻦ في ﻣـﺪى ﻣﺼﺪاﻗﻴﺔ وﺷﻔﺎﻓﻴﺔ ﺗﺼﻨﻴﻔﺎﺗﻬﺎ ، ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ أﺳـﻔﺮت ﻋﻠﻴـﻪ أزمة العقار المالية لـ »ساب برايم » sub-primes في أمريكا سنة 2008 وبعدها مباشرة أزﻣـﺔ دﻳﻮن الصناديق اﻟﺴـﻴﺎدﻳﺔ اﻷوروﺑﻴـﺔ .

جمال اكاديري باحث – موقع لكم 

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.