في يومها العالمي: إياك أن تهدي المرأة الروسية باقة ورود

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 8 mars 2018 - 4:00
في يومها العالمي: إياك أن تهدي المرأة الروسية باقة ورود

حصلت المرأة الروسية والسلاففية عموماً على مكانتها قبل 60 سنة من إعتراف الأمم المتحدة بيوم المرأة العالمي. مكانة أحرزتها تقديراً لدورها الإنساني الطبيعي ثم التاريخي في الثورة البلشفية، وما تبعها من تغيير في أنظمة الحكم. لكن للشعب الروسي والسلافي في هذا اليوم عادات وتقاليد تختلف كلياً عن سائر شعوب. تعالوا نتعرف إليها في هذا المقال.

لا يرتبط الثامن من آذار/ مارس في أذهان النساء الروسيّات والسلافيّات بالنضال العالمي للمساواة أو مطالبة المرأة بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية، أو برفض جميع أشكال التمييز تجاهها. فقد تكفّل الاتحاد السوفياتي السابق ومنظومة الدول الاشتراكية بتخطّي تلك المطالب وباتت من الماضي، فيما بقي الثامن من آذار/ مارس عيداً من أهمّ الأعياد في تلك البلاد، إن لم يكن أكثرها أهميّة، يُظهِرُ فيه الرجال أجمل ما لديهم من المشاعر والخِصال ويحملون الورود إلى النساء، جميع النساء الذين يعرفونهم، تعبيراً منهم عن الامتنان لربّات الجمال ومانِحات الحبّ.. وهل يوجد ما هو أكثر أهميّة من الجمال والحبّ؟

تكفّل الاتحاد السوفياتي السابق بتحقيق المساواة بين الرجال والنساء

وتُقام، للمناسبة، في هذا اليوم، بازارات صغيرة لبيع الورود والزهور، خاصة التوليب الأحمر منها، يقصدها الناس صباحاً وترتسم على الوجوه ابتسامات عريضة. ومنذ الصباح الباكر ترى الرجال والشبان والفتية يحملون باقات الورود والزهور في الشوارع والأزقّة، في أماكن الدراسة والعمل، في حافلات التروللي والترامواي.. في كل مكان. يحملونها ضمّة واحدة، ثم يفرّقونها على أعداد فردية: وردة واحدة، أو ثلاث أو خمس…، قبل أن يهدونها إلى صاحبات العيد. ففي روسيا، إياك أن تهدي امرأة وردتين أو أربع وردات في مناسبة سعيدة كهذه!

« ماشا » ذات الوردتين

الثامن من آذار/ مارس عيد من أهمّ الأعياد في روسيا

لم أكن أعرف بذلك، لكنني سُرعان ما اصطدمت بذاك العُرف سنة حلولي في مدينة روستوف على الدون مطلع تسعينات القرن الماضي، فما إن وصلت إلى حرم الجامعة بعد رحلة مُتعبة في السير بحذَر على الجليد المرشوش بالملح والتراب، حتى ناداني أستاذي أمبرصوم أركاديفيتش، رحمه الله، وكان في تلك الفترة يطلب ودّ أستاذة تاريخ الثقافات ماريا فاسيلفنا.. أعطاني عشرة روبلات منتظراً أن أبتاع بها ثلاث وردات ودلّني على البائع قرب تمثال كيروف على جادة إنغلسا (بولشايا سادوفايا اليوم).
كان بائع الورود متكوّماً على كرسيّ خلف صندوق خشبيّ كبير ذي واجهات زجاجيّة وضع داخله كمية كبيرة من ورود التوليب، ودفّأها بشموع مشتعلة كي لا يقضي عليها الصقيع. ابتعت الوردات الثلاث باثنتي عشر روبلاً، وعدت بها نحو الجامعة، لكن، لسوء حظّي انزلقت قدمي فوقعت على الأرض وكسرت عنق إحدى الوردات، فرميتها وعدت إلى أستاذي بوردتين فجنّ جنونه، ولم أفقه السبب، على الرغم من أنّي دفعت من جيبي روبلين إضافيين. أعطاني أمبرصوم إحدى الوردتين غاضباً، ومضى بواحدة نحو ماريا، والتي كانت أصغر الأستاذات سنّاً في جامعتنا، وأحسنهنّ وجهاً وأرشقهنّ قواماً. وقفت وفي يدي وردة، واليوم يوم المرأة. ارتقيت السلالم إلى مكتب ماريا عينها، فمن يستحقّ التهنئة أكثر منها؟
أهديتها الوردة مصحوبة بابتسامات وتهان وتمنّيات بالصحّة والشباب الدائم والنّجاح والتوفيق والكثير الكثير من الحبّ، وما إن خرجت من الباب حتى اصطدمت بأمبرصوم ممتقع الوجه أحمر الصلعة يبربس بما لم أفهمه. صحيح أنّ ماشا (تصغير إسم ماريا) حظيت بتهنئتين وبوردتين، لكنّ تشنّج علاقتي بأستاذي استمرّ لنحو شهرين، ما اقتضى أن أعيد الامتحان بين يديه أربع مرّات حتى هدأت نفسه وسمح لي باجتيازه بدرجة « مقبول ». لكن تلك الـ »مقبول » علّمتني الكثير، فمنذ ذلك الحين وأنا أحمل الورود إلى النساء اللواتي أعرفهنّ وألتقي بهنّ في الثامن من آذار مصحوبة بأطيب التهاني، بالإضافة إلى العُرف الروسيّ وهو أن ورود الحزن فقط تكون عدداً زوجيّاً، أما ورود الفرح فدائماً فرديّة.

عيد الرّبيع و »الثورة »

من غرائب هذا اليوم أنّه أسّس للثورة البلشفية سنة 1917

يبدأ فصل الربيع في البلاد السلافية مطلع آذار/ مارس، ولا ينتظر الاعتدال الربيعي، كما هي الحال في بلادنا أي الحادي والعشرين منه، ويشكّل يوم المرأة احتفالاً جماعياً بحلول الربيع بعد شهور الصقيع الطويلة. لم يحتفل السلاف بيوم القديس فالنتين أو ما بات يُعرف بعيد الحب في 14 شباط/ فبراير، ولا بيوم الأمّ الذي نحتفل به في بلادنا في يوم الاعتدال. ولكون الرجال يكونون قد نالوا حصّتهم من الاهتمام قبل أسبوعين وتكون الهدايا والتهاني قد وصلتهم، أي في 23 شباط/ فبراير، الذي يُعرف بـ « يوم حماة الوطن »، يغدو اهتمام المجتمع كلّه مصبوباً على المرأة. لكنّ ما لا يُذكر أنّ العيدين كانا عيداً واحداً، أو بالأحرى انسلخ يوم المرأة من مكانه بعد العدول عن التقويم اليولياني في روسيا السوفياتية إلى التقويم الجورجي، الذي يزيد عن الأول 14 يوماً، فاحتفظت السلطات السوفياتية بذاك اليوم للرجل، وبرّزت يوم المرأة الذي يحلّ بعد أسبوعين وعزّزت من طقوسه.
ومن غرائب هذا اليوم، أنّه أسّس للثورة البلشفية، ففي يوم المرأة سنة 1917، أي في 23 شباط/ فبراير منه، خرجت نساء بتروغراد (سانت بطرسبورغ حالياً) إلى شوارع المدينة في تظاهرات جماهيرية مُناهِضة للحرب العالمية الأولى، واقتحمت التظاهرات المؤسسات العامة وحصلت مناوشات مع الشرطة وقوات القوزاق، واستمرّت لأسبوع كامل رافقتها إضرابات عامة واضطرابات قبل أن تتحوّل إلى انتفاضة مسّلحة أدّت إلى ما عُرف بثورة فبراير، التي أنتجت تشكيل مجلس ممثلي العمال والجنود، واللجنة المؤقّتة لمجلس دوما الدولة، فما كان من القيصر نيقولاي الثاني إلا أن تنازل عن العرش في (15) آذار/ مارس، وحلّ حكم جديد أسّس لثورة أكتوبر البلشفيّة. وقد حصل ذلك قبل 60 سنة من اعتماد يوم المرأة العالمي في المنظمة الدولية سنة 1977.

وردة وكلمة

الثامن من آذار/مارس يوم احتفالي طويل عند الشعوب السلافيةش

اليوم، فيما تتحضّر النساء في العالم العربي للمطالبة بأبسط الحقوق، ويخرجن في تظاهرات وينظُمن اعتصامات للحد من التمييز تجاههن، تكون الحال مختلفة تماماً لدى الشعوب السلافية، فهو يوم احتفالي طويل، يبدأ بتهنئة الصديقات والزميلات والرفيقات والجارات، تنشغل فيه محطات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الهاتف الأرضي والمحمول، لتحمل أجمل العبارات والأشعار المختارة بعناية، وتبثّ فيه أغنيات مخصّصة للمناسبة، تترافق مع جوّ احتفالي عام في كل الأماكن والمرافق. وتنشط فيه الحركة التجارية والسياحة الداخلية، وتُحمل الهدايا وبطاقات التهنئة إلى الأمّ والزوجة والشقيقة والإبنة والحبيبة، مصحوبة بأرقّ العبارات.
فكلّ عام ونساؤنا ونساء العالم بألف خير، تحيّة ووردة حمراء إلى الكائِن الذي منحنا الحياة.

عماد الدين رائف – صحافي وكاتب لبناني/ الميادين نت

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.