#قوى_إسلامية متشددة تراهن على اختراق #الحراك_الجزائري

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 22 mars 2019 - 12:19
#قوى_إسلامية متشددة تراهن على اختراق #الحراك_الجزائري

انقسامات الحالة الإسلامية الجزائرية تجعلها خاضعة لإدارة الحاكم الفعلي للدولة والذي دعم تلك الانقسامات وغذاها ليسهل عليه الاختراق، ومن ثم الإقصاء أو الاحتواء.

تتباين مواقف الإسلاميين العرب من الحراك الثوري الحالي بالجزائر، فمنهم من يجده فرصة لتوظيفه سياسيا، عبر تصويره على أنه مد ثوري لتحفيز الداخل ومحاولة استدعاء مرحلة المد السابقة التي سطعت في العام 2011 في مصر وسوريا واليمن، بينما يتوجس آخرون في المغرب العربي منه بوصفه حراكا ضد منظومة حكم يشارك فيها الإسلاميون بارتياح.
يترقب التنظيم الدولي لجماعة الإخوان كل حراك ثوري في المنطقة العربية لاستعادة الوهج في الشارع، أو على الأقل على مستوى البروباغندا السياسية والإعلامية لتحريك ما يعاني منه التنظيم من أزمات وانقسامات ومشكلات مع بعض الحلفاء الإقليميين، حتى وإن كان متيقنا من انعدام مردود هذا التوظيف على الداخل وعدم نهوضه ليصير ملهمًا لتحريك الجماهير العربية في اتجاه تبني مطالب التنظيم.

الإسلاميون غائبون في الحراك جاهزون لالتقاط نتائجه

وتمثل الاحتجاجات التي تعيش على وقعها الجزائر قشة جديدة تسعى التيارات الإسلامية إلى التمسك بها رغم أن تمسحهم بالثورات صار مفضوحا لأن جزءا من فصائلهم يجسد عمليا تجربة من الحكم السلطوي الفردي الكابت للحريات، وهي كذلك تجسيد للفشل الإداري والسياسي والاقتصادي، كما في الحالة التركية والسودانية، علاوة على أن ركوب البعض من أجنحتهم موجة الحراك الجماهيري في الجزائر يُشتمُّ منها الانتهازية والتناقض بعد هذه العلاقات المتشابكة مع السلطة والمؤسسة العسكرية على مدى عقدين.

إسلاميو المغرب العربي

يختلف الموقف من الحراك الجزائري لدى إسلاميي المغرب العربي الذين يشاركون في السلطة، بنسب ومستويات متفاوتة، وأصبح التعامل مع الحراك الشعبي ضد منظومة حكم يساهمون فيها أكثر تعقيدا. من شأن دفع الإسلاميين فاتورة هذه الشراكة في السلطة ببعض دول المغرب العربي تغيير قواعد اللعبة، بعد أن نجحوا على الأقل في الخروج من أزمة حكم الإسلام السياسي وما تبعها من أحداث منذ العام 2013 بأقل الخسائر الممكنة، وحافظوا على القدر المسموح لهم في المشهد السياسي والمشاركة في السلطة.
ينظر إسلاميو تونس والمغرب، وربما ليبيا أيضا، بقلق للحراك الثوري في الجزائر، فالواقع الذي يثور عليه الجزائريون، من فشل إداري وتراجع اقتصادي وجمود سياسي، يعد الإسلاميون جزءًا منه ويشاركون فيه بصور مختلفة. نتج ذلك عن خضوعهم لسياسات التفكيك والمواءمات والاحتواء من جانب مؤسسات الدولة والجيش، وعدم مقدرة الإسلاميين على تبني رؤية واضحة ومستقلة للتغيير وللممارسة السياسية، فضلا عن الافتقار للقدرة على قيادة تغيير جذري من منطلق ثوري شامل.
يتشارك إسلاميو تونس والمغرب وليبيا، مع اختلاف في التفاصيل وتفاوت في ترتيب الأحداث زمنيًا، مع إسلاميي الجزائر في أنهم جزء من الهيكلية المؤسساتية للسلطة القائمة، وشاركوا في السلطة وتناوبوا على الإسهام في الوزارات والبرلمانات والمحليات، وتورطوا في الفساد وسوء الإدارة والفشل، بما يضعهم في واجهة الإحجام عن التصويت لهم واختيارهم في سياق انتخابات ديمقراطية، كما كان الحال قبل تلك الشراكات، وتضعهم، على غرار شركائهم بالسلطة، في مرمى الحراك الميداني والغضب الشعبي الثوري.
يقع الإسلاميون من الشرق إلى الوسط إلى الغرب من ضمن مشاركين مع تيارات أخرى ومقتسمين للسلطة مع المؤسسة العسكرية، ثم من تم إقصاؤهم وعزلهم بعد تجربة حكم قصيرة فاشلة أعقبها صراع مسلح دام، وأخيرا من سعوا، مثل إسلاميي تركيا، لفض هذه القسمة مع العسكريين والصعود للهيمنة على المجال العام والتحرر من هيمنة الدولة العميقة.


الاحتجاجات التي تعيش على وقعها الجزائر تمثل قشة جديدة تسعى التيارات الإسلامية الاحتجاجات التي تعيش على وقعها الجزائر تمثل قشة جديدة تسعى التيارات الإسلامية

الإسلاميون في الجزائر الذين انتظروا بشغف حلول ربيعهم الذي تأخر كونهم الاستثناء الوحيد بين فصائل الإسلام السياسي العربي، حيث لم يصعدوا منفردين لمواقع صنع القرار بعد حراك الربيع العربي، شأنهم شأن إسلاميي تونس وليبيا ومصر، غير قادرين على حشد ومنافسة كاملة على السلطة التي نزعت أنيابهم بعد مسار تشاركي كلّفهم رأسمالهم الدعوي، والجزء الأكبر من النقاء الجماهيري، فضلا عن جانب كبير من ثقلهم وحضورهم في إطار المعارضة السياسية.
لذلك لا يمثلون رهانا حقيقيا يمكنه التأثير الإيجابي، سواء لصالح جماعة الإخوان في مصر على مستوى توظيف الحراك الثوري، أو للإسلاميين في تونس وليبيا والمغرب على مستوى دعم وتحسين مواقعهم في السلطة، فقد أسهمت شراكتهم في الحكم في إطفاء وهج الحالة الإسلامية لدى الفئات المهمشة والغالبية الفقيرة، أو لدى “الحيطيست” وفق المصطلح المتداول في الجزائر والمعبر عن المخدوعين داخل أوساط المحرومين اقتصاديًا وفكريا ومعرفيا.
لم يعد الحراك الجماهيري في صالح الإسلاميين العرب، على مختلف أحوالهم ومواقعهم من السلطة، وأينما كانوا، ما عدا مجرد الاستفادة منه في معالجة بعض الاضطرابات داخل التنظيم، كحال الإخوان في مصر.
وقال طارق أبوالسعد، الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، إن الإسلاميين يجدون متنفسًا في كل حراك جماهيري لاقتناص ما يتسنى لها من فوائد تبدو محدودة بإشغال الجماعة عن انتقاد القيادات وملف الفرز وإعادة الهيكلة المؤلم، الذي تطلب إجراءات صارمة مع أجنحة شبابية متمردة يجري تسليم عناصرها للأجهزة الأمنية، علاوة على الرغبة في إلهاء الغاضبين بالداخل عبر مغازلة خيالهم بحراك شعبي يبدو في الظاهر متماهيا معها، على الرغم من تناقض مضامينه مع مسار الجماعة الأم، وصولًا إلى الانهيار الذي تحاول مقاومته.
ووفق هذا التصور يضحّي قادة الجماعة بمكانتها داخل الوسط الإسلامي، وهي التي تقدم نفسها لتابعيها وفروعها في الدول العربية كملهمة وتتعامل مع الجميع باستعلاء ملحوظ، وترفض أن يكون مرشد الجماعة العام من خارجها. وتقبل الآن، على مضض، أن يسوّق لنجاح حراك ثوري بدولة عربية أخرى يشارك فيه الإسلام السياسي، وتتمنى نجاحه، وتغض الطرف عن أن نجاح فرع من فروعها في الذي فشلت فيه الجماعة الأم في مصر بمثابة إهانة لها وإثبات لفشل قادتها.

يروج الجهاديون لفرضية سقوط فروع جماعة الإخوان بالدول العربية وإقصائها من المشهد السياسي، عاجلا أو آجلا، ولانعدام الأمل في مستقبل الإسلاميين في إطار شراكة مع العلمانيين والجيش

ويجمع فصائل الإسلام السياسي في الدول العربية، علاوة على الإسلام السياسي التركي، بدرجات متفاوتة، الفشل في كسب الشارع والاحتفاظ بالجاذبية الجماهيرية، نتيجة التماهي مع السلطة والتشابك مع الجيش خلال فترة من الفترات، مقابل ممارسة ميدانية انتهازية سرعان ما يتم فضحها داخل الأوساط الثورية، حيث اعتاد الإسلاميون الحشد والتحرك عند الاضطرار وذلك لتحقيق مصالح التنظيم والجماعة، وليس التحرك داخل الإطار الوطني العام لتحقيق مطالب الحشود والجماهير.

الحاكم الفعلي

انقسامات الحالة الإسلامية الجزائرية تجعلها خاضعة لإدارة الحاكم الفعلي للدولة والذي دعم تلك الانقسامات وغذاها ليسهل عليه الاختراق، ومن ثم الإقصاء أو الاحتواء، ما يجعل استمرار هذا التيار في السلطة محكوما بتفاهمات وضمانات وتعهدات تقلل من قيمة رهانات أطياف الإسلاميين العرب عليه، حيث لا يمتلك ما يقدر به خدمة مصالح فرع لجماعة الإخوان بدولة أخرى خارج سياق وإرادة مؤسسات دولته.
ذابت الحدود التنظيمية داخل إخوان الجزائر، بعد ما جرى في مصر في العام 2013، ويعود عدد كبير من الانقسامات الراهنة داخل المعسكر الإسلامي إلى ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ما أوصل إلى انقسام مؤداه أن يؤيد كيان تابع للجماعة حراك الشارع، وينحاز كيان آخر لمؤسسة السلطة ويدعم استمرار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة سواء بالترشح أو بالتمديد.
ويتصارع داخل الحالة الإسلامية الجزائرية أقصى اليمين مع الوسط والتشدد مع الاعتدال وهي انقسامات وانشطارات نتجت عن الخلاف في الموقف من السلطة وقبول المشاركة في الحكم من عدمه، وكما حدث انقسام على خلفية رفض اللجوء للعنف والسلاح، هناك تباين في مستوى المرونة والتوافق مع السلطة من فصيل لآخر داخل التيار الإسلامي العام.


الحراك الجماهيري لم يعد في صالح الإسلاميين الحراك الجماهيري لم يعد في صالح الإسلاميين

المساحة الواقعة بين الاعتدال والمرونة وبين تبني الأيديولوجيا والرؤية السياسية الأكثر تشددا، تجعل انقسامات الإسلاميين في الجزائر مهيأة للدخول في مسارات الانقسام السياسي الحاد الذي يسود البلاد حاليا، فهناك من جهة من يدفع لدعم الرئيس بوتفليقة والإبقاء على قيادات المؤسسات كما هي، في مقابل من يسعى لإعادة تنظيم وهيكلة تلك المؤسسات علاوة على عدم التمديد للرئيس وعدم الالتفاف على مطالب الحراك الشعبي.
يكمن هنا الخطر الحقيقي الذي يعيد إلى الأذهان سيناريوهات العشرية السوداء وتجارب الإسلام السياسي الدموية في بعض الدول ما بعد الربيع العربي، خاصة وأن داخل الحالة الإسلامية الجزائرية من يسعى لانتزاع حضور قوي مستغلا الحراك الجماهيري، كذلك الفصيل الذي تم إقصاؤه وإخراجه من دائرة الشرعية وبحثه عن موقع له في الأحداث عقب ما استجد من تطورات.
الدولة التي جربت سوء منقلب أول محاولة من الإسلاميين للاستحواذ على السلطة تصبح من هذه الزاوية مطمعا لوجه العملة الآخر لتيار الإسلام السياسي، المتمثل في الجهاديين ممن يتوقون لدعم مسارات تعطيل التسويات والمسار الدستوري وإعاقة الانتخابات وفض تحالفات الإسلاميين مع العسكريين، وإضعاف مؤسسات الدولة وإخراج الجيش من المعادلة السياسية أو تفكيكه وإبداله بسلطة الميليشيات.
تصبح هذه السيناريوهات، مع عدم وضوح الرؤية المستقبلية في الجزائر، محط اهتمام الإسلاميين والجهاديين في مصر وليبيا ومالي ودول الساحل والصحراء، ما يجعل إنجاز الجزائريين مخرجا سلميا للأزمة الحالية بمثابة تفويت فرصة ثمينة على هذه الفصائل في خلق مساحات سياسية وجغرافية وجيو-استراتيجية فائقة الأهمية لتدوير نشاطاتهم وإعادة تموضعهم واستعادة نفوذهم.
تجد فصائل السلفية الجهادية داخل ساحات الصراع في المنطقة العربية أن احتمالات تحول الحراك السلمي في الجزائر إلى صراع عنيف بما يخدم مصالحها بمختلف الساحات العربية خاصة في دول الجوار احتمالات واردة، وأن إطالة الأزمة دون التوافق على حلول مع استمرار نزول الجماهير للشارع قد يدفعها للانزلاق باتجاه المواجهات العنيفة والمسلحة.

لم يعد الحراك الجماهيري في صالح الإسلاميين العرب، ما عدا مجرد الاستفادة منه في معالجة بعض الاضطرابات داخل تنظيماتهم

يجلب من يتبنى تلك المعالجات إلى الحالة الجزائرية الآنية جملة من مشاهد وتفاصيل ما حدث في المنطقة العربية طوال سنوات ما بعد حراك الربيع العربي، ليدعموا بها رؤيتهم، ومنها ما جرى من صراع بين جماعة الإخوان المصرية وغيرها من فصائل الإسلام السياسي والسلفيين على صدارة المشهد، علاوة على تناقضات جماعة الإخوان في علاقاتها مع أعضاء السلفية الجهادية فهي تخذلهم عندما تتصدر المشهد وتتفاهم مع الجيش وتهيمن على البرلمان، وتلجأ إلى التحالف معهم عندما يتم عزلها عن السلطة، فضلا عن تخلي الجماعة عن الشباب الثوري في مرحلة من المراحل بعد أن أنجز هؤلاء الشباب الجزء الأكبر والأهم من مهمة إسقاط حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

الفرصة الأخيرة

يسّوق هذا الفصيل المنتشر في بؤر الصراع في المنطقة لرواية مفادها أن هزيمة تيار الإسلام السياسي، والذي جلب لاحقا هزيمة الجهاديين في سوريا والعراق، جاءت كنتيجة طبيعية لتحالفات وتفاهمات الإخوان مع المؤسسة العسكرية التي أدارت المرحلة بدهاء واحترافية، ما مكنها من إلحاق الهزيمة بمختلف الفصائل الإسلامية والجهادية على الساحة خلال فترات متعاقبة.
ويروج الجهاديون لفرضية سقوط فروع جماعة الإخوان بالدول العربية وإقصائها من المشهد السياسي، عاجلا أو آجلا، ولانعدام الأمل في مستقبل الإسلاميين في إطار شراكة مع العلمانيين والجيش، وأن انقسام جماعة الإخوان وعجزها عن رص صفوفها وقيادة المواجهة ضد الجيش والمؤسسات يتطلب تصدير قيادة جهادية قادرة على انتزاع السلطة وفرض الهيمنة بالقوة.

مقابل الطرح الذي يؤكد إسهام التوافق، بين قطاع كبير من الإسلاميين بالجزائر مع المؤسسة العسكرية تأسيسا على مشروع الوئام الوطني، في نجاة الجزائر من أن تطالها فوضى وصراعات الربيع العربي. هناك من يروج على منصات تنظيم القاعدة الإعلامية أن ربيع الجزائر الحالي فرصة أخيرة لمحو هزيمة الإسلاميين العرب المذلة وللثأر من خديعة الجيوش لهم ولتصحيح مسار الثورات وتطبيقها على الوجه الأمثل، من خلال هدم ما هو قائم من مؤسسات قضائية وسياسية وعسكرية وإعلامية، ومن ثم التمكن من بناء حكم إسلامي حقيقي.

هشام النجار – كاتب مصري

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.