#كتاب #ثقافة الجماهير.. و #السلطة في عصر مواقع التواصل الإجتماعي

مشاهدة
أخر تحديث : samedi 23 mars 2019 - 8:07
#كتاب #ثقافة الجماهير.. و #السلطة في عصر مواقع التواصل الإجتماعي

أضحت مواقع التواصل الاجتماعي عاملاً مهماً في تهيئة متطلبات التغيير عن طريق تكوين الوعي في نظرة الإنسان إلى مجتمعة والعالم.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن وسائل التواصل الاجتماعي أضحت بالفعل متغيرًا حيويًا ضمن آليات الحراك العام في مناطق عدة من العالم، وقد نجحت في الربط بسرعة هائلة وغير مسبوقة بين أناس في مختلف أرجاء المعمورة، جاعلةً من المجتمعات المتخيلة مجتمعاتٍ أكثر واقعيةً وأعلى قدرةً على إشعار «مواطنيها» بالحاجة لتأكيد مصالحهم المشتركة. وبينما يحدث كل ذلك يصبح من الضروري دراسة الأثر المترتب على التطورات «المعلواتصالية» في مختلف المجالات، ومحاولة استشراف آفاق استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتحليل ما يشير إليه تطورها المتسارع وما يثيره من تساؤلات، بغيةَ بناء فهم خلاق وفعال للتعامل مع هذه الظاهرة، في راهنها وفي أفق تحولاتها المستقبلية.
يذكر الكاتب الدافع وراء الكتاب، قائلًا: « انشغلت منذ فترة طويلة بمتابعة الجماهير على مواقع التواصل الاجتماعي كجزء من عملي، وتناولت في كتابات سابقة لي –خاصة برصد وتحليل ما حدث في ثورة يناير – كانون الثاني – بعض الانطباعات عن السلوك الإنساني الفردي والاجتماعي للشخص الإفتراضي، ولكن ظل لدي هاجس كبير بأن دراسة جذور الموضوع وبداية الخيط ستفيد كثيرًا في توضيح الكثير من الإشكاليات الخاصة بالعقل والوجدان السياسي للجماهير العربية.

نعم مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت « إعلامًا بديلاً » يمارس فيه النقد، ويولد أفكارًا وأساليب لها أهميتها، وأيضًا طرقًا جديدة للتنظيم والتعاون والتدريب بين إفراد المجتمع. وربما الأكثر أهمية، أنها تعدّ وسيلة للتواصل بين الحكام وصناع القرار والجمهور، إذ يؤدي غياب الحوار، إلى اختلال العلاقة بينهما.
قد لا تمثل مواقع التواصل الاجتماعي العامل الأساس للتغيير في المجتمع، لكنها أصبحت عاملاً مهماً في تهيئة متطلبات التغيير عن طريق تكوين الوعي، في نظرة الإنسان إلى مجتمعه والعالم. فالمضمون الذي تتوجّه به عبر رسائل إخبارية أو ثقافية أو ترفيهية أو غيرها، لا يؤدي بالضرورة إلى إدراك الحقيقة فقط، بل إنه يسهم في تكوين الحقيقة، وحل إشكالياتها. وحيث أنها أصبحت تُشكل جزءًا من الحركات الاحتجاجية ضد الأنظمة الاستبدادية وكسر احتكارها للمعلومات.
عليه فقد شكّلت وسائل التواصل الاجتماعي عامل ضغط على المسؤولين والحكومات من خلال اتحاد مجموعات من الأفراد حول أفكار وآراء متقاربة وهو ما أدى إلى ثراء المجتمعات فكريًا، وانتشار وعي أفراد المجتمع بحقوقهم وواجباتهم، وإن اختلفت طريقة تعامل الدول مع مواقع التواصل الاجتماعي حيث أصبحت مؤشرًا على درجة التحول السياسي والديمقراطية في تلك الدول وبدأت تأخذ في عين الاعتبار أهمية التوازن بين هذه المواقع كوسائل للحرية والتعبير وبين ضرورة وجود ضوابط تحكم عملية استخدامها للوقوف دون تحولها لأداة تهدد أمن المجتمع أو استقرار الأنظمة، كما حدث في بعض الدول.
هنا يمكننا القول أيضًا إن هذه الشبكات قد أسهمت في رفع مستوى الوعي لدى الشعوب، وتأكدها من أنها هي مصدر الشرعية، تمنحها لمن تشاء وتزيحها متى بدا لها ذلك، وأن هذه الشبكات قد أفرزت قيمًا جديدة، لعل أهمها بالمطلق القبول بالآخر في تنوعه واختلافه وتباينه، ما دامت المطالب موحدة والمصير مشتركاً. ويمكننا القول بالمحصلة، إن هذه الشبكات أبانت بأن ثمة شعوبًا حية ويقظة، حتى وإن خضعت لعقود من الظلم والاستبداد.

البحث في ثقافة الجماهير والسلطة عبر مواقع التواصل الإجتماعي

في كتاب « ثقافة الجماهير والسلطة منذ أقدم العصور وحتى عصر مواقع التواصل الإجتماعي »، يؤكد الكاتب على أن دراسة تاريخ الجماهير تساعد في توضيح الصورة عن هؤلاء الجماهير منذ أقدم العصور، مضيفًا أن اللافت للنظر أن وجود الجماهير كصوت مقابل لصوت السلطة كان ضعيفًا رغم تفوقهم العددي على حكامهم، وكانت النتائج متأخرة مقارنة بما حدث من سرعة التغيير الذي ظهر مؤخرًا في الألفية الثالثة.
هنا يُرجع الكاتب كل ذلك لوجود أدوات تم من خلالها السيطرة على هؤلاء الجماهير، مثل العادات والتقاليد والأعراف والأديان والقوانين والوسائل الإعلامية والثقافية. كما أن التحديات، والعقبات، والمشكلات السياسية، وحقوق الإنسان، والتطورات الدولية، والتوقعات الاقتصادية، والحروب والفتن، والفساد الحكومي، والنمو المتزايد في أعداد السكان؛ ومن ثم الزيادة في أعداد المهمشين سياسيًا، وزيادة الفجوة التكنولوجية، والتفاوت الكبير في مستوى المعيشة كان لها دور كبير في الإتجاه نحو دراسة ظاهرة الجماهير الغفيرة في عصرنا الحالي. حيث حركة المنظمات المهنية والجمعيات الأهلية والمجتمع المدني والفرد، وهي ما يمكن أن نطلق عليها بـ »الفعل السوسيولوجي » عنصراً فعالاً ومحدداً أساساً في مسيرة التقنية الاتصالية في علاقتها بالموروث الإعلامي.
يشير الكاتب إلى أهمية البحث في أحد أهم فروع العلم الحديث وهو علم النفس الاجتماعي، ويهتم بالدراسة العلمية للإنسان ونفسيته ككائن اجتماعي، وهدفه بناء مجتمع أفضل قائم على فهم سلوك الفرد والجماعة. فهو تحليل سوسيولوجي على مسألة الفضاء العام وعلاقته بمواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت لها نفوذ وسلطة في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية، تزامنًا مع الفترة الراهنة في عصر التكنولوجيا الجديدة، التي اكتسحت الحياة اليومية للأفراد من خلال تبادل الأفكار والآراء على ساحة افتراضية لا حدود لها، ومنه يمكن معرفة الدور الأساسي التي تعمل عليه مواقع التواصل الاجتماعي في تكوين فضاء عمومي يكتسي حلة تكنولوجية.
الحقيقة أن النظريات والدراسات الإعلامية، قدمت كثيرًا من الاجتهادات حول مفهوم الإعلام الاجتماعي ودائرة التأثير، ومنها نظرية التسويق الاجتماعي التي تتناول كيفية ترويج الأفكار التي تعتنقها النخبة في المجتمع، لتصبح ذات قيمة اجتماعية معترَف بها. ووفّر ظهور شبكات التواصل الاجتماعي فتحًا ثوريًا، نقل الإعلام إلى آفاق غير مسبوقة، وأعطى مستخدميه فرصًا كبرى للتأثير والانتقال عبر الحدود بلا قيود ولا رقابة إلا بشكل نسبي محدود.

مواقع التواصل « الإعلام البديل »

قد لا يعمل الإعلام في فراغ بل يستمد من السياقات الاقتصادية والسياسية والثقافية، سواء كانت محلية أو قومية أو إقليمية أو دولية. ولكي نفهم أهمية مواقع التواصل الاجتماعي « الإعلام البديل » يجب أن نضعها في النظريات السياسية والديمقراطية التي وفرت سندًا نظريًا وفكريًا لهويتها وممارستها، ويتطلب مراجعة بعض المقاربات على مستويات عدة، يلتزم بعضها الجوانب المتعلقة بالتطورات في تكنولوجيا الاتصال، وبعضها يعلق على الموضوع من جانب الدراسات الاجتماعية والسياسية وغيرها، بما يمثل مدخلًا لفهم خصائص الإعلام الجديد.
كما أن حصر الإعلام البديل في الرؤية القائلة بأنه عبارة عن حركة مضادة للثقافة الجماهيرية السائدة هو إجراء نظري قاصر، فالإعلام الجديد منتج أيضًا لثقافة إتصالية بديلة، وعادة ما يكون في تعارض مع ما هو سائد. ويقع بين مفترق مناهج نظرية متداخلة فهو يعاني من طابعه المهمش خارج السياق الإجتماعي وخصوصيته في كونه بديلاً عن النظام الإعلامي القائم.
يمكن أن تعمل مواقع التواصل الاجتماعي على تفعيل الطاقات المتوافرة لدى الإنسان ويوجهها للبناء والإبداع في إطار تطوير القديم وإحلال الجديد من قيم وسلوك، وزيادة مجالات المعرفة للجمهور، وازدياد قدرتهم على التقمص الوجداني وتقبّلهم للتغيير، وبهذا فإن الاتصال له دور مهم، ليس في بثَ معلومات، بل في تقديم شكل الواقع، واستيعاب السياق الاجتماعي والسياسي الذي توضع فيه الأحداث.

مستقبل وسائل الاتصال في عصر « ما بعد الحداثة »

قد تُعد وسائل الاتصال عنصرًا أساسًا في المجتمع، لكن النظر إليها على أنها أساس عملية التغير الاجتماعي ينقلها إلى دائرة « الحتمية »، وهذا ما رفضه علم الاجتماع المعاصر. وتؤدي الثقافة اللامادية، كالإيديولوجيات السياسية والاجتماعية إلى تغيّر واسع في حياة المجتمع، أكثر من تأثير الثقافة المادية في بعدها التكنولوجي، ولكن يصعب قياس هذه التغيّرات، « التغير المادي واللامادي »، مما أدى إلى إطلاق النظرة النسبية.
مع بداية الألفية الثالثة ظهر مفهوم الحتمية المعلوماتية، إذ لم يعد يقاس مدى تقدم الدول، على أساس نتاجها القومي، بل على أساس إجمالي نتاجها المعلوماتي القومي. ففي عصر « ما بعد الحداثة »، نرى التناقض، لأنه يفرض على الإنسان صعوبة العيش فيه من دون أدواته الاتصالية التي تربطه بالمجتمع. فمثلاً لا نستطيع العمل من دون هاتف نقال، أو الحاسوب(الكومبيوتر)، … »، أي أشكال تقنية للحياة الاجتماعية. وقد تصبح لأشكال الحياة خصائص جديدة عن طريق العمل بالتكنولوجيا، وهنا تتسطح أشكال الحياة، ويتفاعل كل شيء عن طريق وسائل الاتصال.
في تطور هذه الحركات تاريخيًا ينتقل الكتاب إلى التحوّل عبر التطوّر التكنولوجي الذي صاحب جوهر الإعلام، فما يبدو اليوم جديدًا يصبح قديمًا بظهور تقنية جديدة، ألم يكن الإعلام جديدًا مع ظهور الطباعة، والصحافة، والإذاعة، والتلفزيون؟
إذاً مفهوم الإعلام الجديد يمثل في واقع الأمر مرحلة انتقالية من ناحية الوسائل. وعليه فالتلاقح الحضاري الذي ولّده انتقال المعلومة عبر الانترنت قد رسخ قيم وثقافة البلد المصدِّر للمعلومة والتكنولوجيا في آن واحد، وينشأ عن هذه الحتمية التكنولوجية حالة ما يسمى بالصدمة الالكترونية التي سرعان ما تتحول بالبلدان المستوردة من الانبهار بالواقع الافتراضي إلى الاصطدام بالواقع الحقيقي للبلد المصدِّر.
إن إعلامًا واتصالًا لا يسهم في تحديد أوليات المجتمع السياسية والثقافية والاقتصادية لا يمكنه أن يكون فاعلًا في أي مشروع يسعىإلى لتداول سلمي على السلطة كنتيجة حتمية لتداول أهم التصورات حول كيف ندير الشأن العام بالاعتماد على الرأي العام الذي تسهم وسائل الإعلام الحرة في بلورته بشكل محايد وموضوعي بعيدًا عن أي توظيف اقتصادي أو سياسي.
في النهاية، فإن المجتمعات -سوسيولوجياً- تُعدّ ظاهرة على قدر كبير من التعقيد حتى نجزم أن من السهل أن تأتي نماذج سياسية أو اقتصادية أو فكرية قادرة بكل بساطة وبالاعتماد على التقنية الذكية للاتصالات على إحداث تغيير وبشكل جذري في بنية المجتمعات، انطلاقًا فقط من كونها تقنية فعالة، حتى وإن كانت هذه التقنية في مجال الإعلام. إن بين الظاهر تقنيًا في الاتصال اليوم والنتيجة الاجتماعية غدًا تظهر اختلافات قد تصل في بعض الأحيان إلى التناقض.
في عديد المؤلفات التي صدرت حديثًا، تمت مناقشة وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك، نحو فتح أفق طموح للبحث في هذه الظاهرة الجديدة، بما لها من تأثيرات كبيرة في الجوانب التربوية والسلوكية للجيل الجديد من الشباب عبر مختلف أنحاء العالم. كما تنفرد هذه الكتب بكونها تثير نقاشًا علميًا حول الأنماط المستقبلية لهذه الوسائل، وصولاً إلى وضع رؤى استشرافية حول حدود التأثيرات المتوقعة لها مستقبلًا، فضلاً عن محاولة الرد على السؤال حول مسارات التفاعل في هذا المجال داخل معادلة المواطنين- الدول، واتجاهات العلاقة بين الطرفين.
هي رؤية استشرافية من المؤلفين، نحو تناولهم تطور دور وسائل التواصل الاجتماعي في المستقبل، وما ستفرضه من تغييرات على كثير من المسلمات الراهنة، سيصبح في الغد واقعاً معاشاً يلزم التعايش معه من دون صدمة معرفية أو إشكالية في التعامل. فقد أرست التكنولوجيا الرقمية قواعد ثقافة إلكترونية عالمية، وتجلى الربط بين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي أسهمت في تشكيل اتجاهات الرأي العام وبناء المواقف والآراء حيال مختلف القضايا والأحداث.
يذكر أن هناك خمسة مواقع عالمية تعتبر الأكثر شهرة ونموًا في عدد المستخدمين، يتصدرها موقع فيسبوك، وهو موقع التواصل الاجتماعي الأكثر شهرة منذ ظهوره عام 2003، يليه موقع تويتر، وهو موقع التدوين المتناهي الصغر، وقد انطلق في عام 2006، ثم موقع «غوغل بلس» الذي دشنته شركة غوغل العالمية في عام 2011، أما الموقع الرابع فهو «لينكدإن» الذي بدأ في أيار/ مايو 2003، وأخيراً موقع «بنترست» الذي ظهر في عام 2010. وهي المواقع الخمسة الأعلى نموًا، من حيث عدد المستخدمين النشطين خلال عام 2012.
يبقى في النهاية أنه في ظل الطفرة المتوقعة للكومبيوترات، وما تشير إليه التوقعات من أن عدد سكان العالم سيبلغ في عام 2026 نحو ثمانية مليارات نسمة، يتوقع الكاتب أن نصبح بصدد مليارات الشخصيات الوهمية والهويات الافتراضية، الأمر الذي يطرح إشكالية اجتماعية شائكة تتعلق بالأثر المترتب على تذويب مجمل هذه الهويات الشخصية وتفكيكها.
وستبقى علاقة مواقع التواصل الاجتماعي بالإعلام تثير إشكاليات عدة، لا يمكن اختزالها في الأبعاد التقنية المستحدثة في مجال البث والتلقي، إذ تجعلها عاملاً محدداً للتحولات الثقافية وتستبعد أنماط التواصل الجديدة. فمواقع التواصل الاجتماعي، التي من الممكن إذا « وظفت من أن تسهم في إعلاء قيم المعرفة والنقد والمراجعة وحوار الذات، وهي القيم التي ينطلق منها أي مشروع تنموي ثقافي ».
هنا يتوصل الكاتب إلى أن زيادة أعداد مستخدمي الإنترنت جاءت لتشكل فكراً، ورأياً معارضاً أو مؤيداً، ولتنتج ممارسات ديمقراطية على الإنترنت كالتصويت الإلكتروني والحكومة الإلكترونية؛ ومن ثم الحديث عن أخلاقيات الإنترنت وهي موضوعات تحتاج إلى دراسة عميقة متشعبة الأطراف للإلمام بأبعاد العلاقات المتشابكة والمترابطة عند تخطيط السياسات الإعلامية والثقافية الجديدة.

د. محمد عبد الرحمن عريف

المصدر : الميادين نت

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.