مقاربة للفكر الماركسي والفكر الديني

مشاهدة
أخر تحديث : vendredi 1 décembre 2017 - 5:54
مقاربة للفكر الماركسي والفكر الديني

رأى كل من ماركس وإنجلز أن المادة هي الشيء الوحيد الحقيقي في هذا العالم. والمذهب الشيوعي بشكل عام يؤمن بأن ما يسمى بالروح ماهي إلا نتاج المادة وأنها لا يمكن أن توجد بذاتها، وبالفعل فإن المادة يمكن أن توجد بلا روح ولكن لا يمكن أن توجد روح بلا مادة.

ويسمى هذا الفكر بالتفسير المادي للتاريخ وهو من أكثر العناصر الحيوية والمثيرة للجدل في الماركسية حيث حاول ماركس تفسير الأحداث التاريخية الكبرى من خلال تحليل أبعادها الاقتصادية، والكاتب من المؤمنين بشدة بهذه المنهجية التحليلية حيث لاحظت كاقتصادي أن معظم التحديات التي تواجه الدول وحتى الأفراد تكون اقتصادية أو أن العامل الاقتصادي هو الأساس لحلها.
وحتى طريقة استجابتنا لهذه التحديات تحكمها حسابات اقتصادية محضة وكلنا يجري هذه الحسابات أو ما نسميه بتحليل التكلفة والفائدة « Benefit Analysis Cost » بشكل دائم قبل أن نتخذ أي قرار، بمعنى ان الحسابات الاقتصادية هي المهيمنة على طريقة تفكيرنا وردود افعالنا حتى دون أن نشعر بذلك، وهذا يثبت أن الانسان ماديي بالأساس وليس روحانيا، ولذلك لم يؤمن ماركس بالأديان وقال انها اختراع قام به البرجوازيون والرأسماليون للسيطرة على طبقة العمال والفقراء.
والمادية جدلية حسب الفكر الماركسي حيث يقابل كل شيء وكل فكر نقيضه، بمعنى ان كل مراحل التاريخ الإنساني تم تشكيلها وتحديدها من خلال صراع القوى المادية والاقتصادية وعلاقات الإنتاج وحدها ولم يكن للرب دور فيها. كما أن الشيوعية كأيدلوجية مادية تؤمن بالعلم وحده وليس بها مكان للسماء ولا للكتاب وهي تعتبر كل اشكال الروحانيات قضايا غير علمية لا يمكن إخضاعها للبحث والتجريب.
وربما يبدو التحليل السابق صادما للمتدينين ولكنه في الحقيقية أقرب للعقلانية من المنهجية الدينية التي تطلب من أتباعها عدم أعمال المنطق (من تمنطق فقد تزندق) وتطلب منهم تقديم النص على العقل.
ولو أننا نحينا آراء ماركس وإنجلز جانبا ونظرنا إلى تطور حياة الإنسان في الأرض بعقلانية وتجرد من أي مذهب أواعتقاد لوجدنا أن الثورات الصناعية الأربع التي عرفها تاريخ الإنسان وما نتج عنها من اختراعات مذهلة أدت إلى تغيرات جذرية في حياته على الأرض كانت محصلة تراكم معرفي وعلمي بالأساس ولم يكن للدين أو السماء أي دور بها بل على العكس إن دور الدين كان دائما عائقا ورافضا لهذا التطور، وكلنا يعلم أن أوروبا لم تتقدم إلا بعد بزوغ عصر النهضة وتحييد دور اللاهوت والكنيسة .

ونحن لا نقصد بما سبق التهجم على الأخوة المتدينين بأي حال لأننا ضد الاجبار ومع حرية الاعتقاد أيا كان، ونؤمن « عكس ما اعتقد به ماركس » بأن هناك بعد روحاني للإنسان لا يمكن تجاهله بأي حال ولكننا أيضا مع وجوب إعمال العقل والمنطق وتربية وتعليم أولادنا بشكل جيد وحثهم على الايمان بالعلم والتفكير النقدي الحر وعدم تقبل أي فكر دون تمحيص بدعوى أنه مقدس أو فوق النقد ولا يصح التشكيك فيه.

إن العلم يتقدم باستمرار لأنه لا قدسية فيه لأي نظرية. ونحن نعلم أولادنا في الجامعة أن يسعوا في ابحاثهم إلى إيجاد الثغرات في أي نظرية علمية قائمة بهدف إفشالها والإتيان بنظرية جديدة أفضل منها وهكذا يتطور العلم.
أما المنهجية الدينية فإنها تتبع سلوكا مغايرا تماما في ابحاثها التي تقوم على التبجيل لكل ما هو قديم ومحاولة إثبات انه صالح لكل زمان ومكان وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. ولذلك فإن الفكر الديني لم يتقدم بقدر أنملة بل أصبح عائقا منيعا لأي تقدم او تطورعلى الارض.
إن الروحانيات والشعارات الدينية جميلة بالفعل ولكنها وحدها لا تحقق التقدم كما قال ماركس.
وأضيف من عندي أن أنبل القيم لا قيمة لها دون ميزانية أو قوة اقتصادية تساندها.
وللأسف نحن نخدع أنفسنا بالقول دائما بأننا مجتمعات روحانية بينما واقعنا يصرخ بأننا كاذبون وأننا نعيش في أسوأ أنظمة العالم المادي التي يتحالف فيها الدين مع السلطة والمال ضد العمال والفقراء والضعفاء ومن لا صوت لهم.
وبالرغم من أن ماركس كان ملحدا إلا أن افكاره وكتاباته أشعلت ثورات وحركات ثورية غيرت العالم ولا زلت تلهم المفكرين والمصلحين حتى يومنا هذا. إن ماركس وإنجلز أثبتا أننا لسنا بحاجة للأديان بقدر حاجتنا إلى ضمير حي يشعر بآلام المحتاجين والمظلومين. إن الرحمة بكل ما هو حولنا سواء أكان إنسان أو حيوان أو نبات أو قطرة مياه هي الروحانيات التي ينبغي أن نؤمن بها ونعلمها لأولادنا بدلا من أن نحشو رؤوسهم بأساطير وخرافات جعلتنا في مؤخرة الأمم.
ولعلي أختم مقالي القصير بأسئلة للإخوة المتدينين من كل الأديان بغرض فتح حوار علمي معهم يهدف إلى التقارب في الفكر والبحث عن الحقائق الغائبة عن مجتمعاتنا منذ زمن بعيد:
• هل ساهم الدين في تطوير أي اختراع منذ أن وجد الانسان على الارض؟
• هل يمكن نقد الاديان والكتب المقدسة وتطبيق المنهجية العلمية عليها دون أي هجوم أو تجريح أو التهديد بالقتل؟
• لماذا يحترم الملحدون في أوروبا قوانين بلادهم ويساهمون في نهضتها بإخلاص وضمير بينما لا يحترم أغلبنا بما فيهم المتدينون قوانين بلادنا ويكتفون برفع الشعارات الدينية والخطب العصماء حتى أصبحنا نتجه في منحنى هابط من سيء لأسوأ؟
• كيف نفسر ظاهرة تعايش رجال الدين في مجتمعاتنا في سلام وانسجام مع كل ما حولهم من استبداد وفساد وظلم دون إظهار أي نوع من التبرم أو المقاومة والاكتفاء بدعوة الناس إلى السماء وهم « أي رجال الدين » يتشبثون بالأرض؟
• هل ساهم الفكر الديني في تحقيق أي نوع من العدالة أو إعادة توزيع الثروة لصالح الفقراء مثلما فعل فكر ماركس؟

محمود يوسف بكير – مستشار اقتصادي/ الحوار المتمدن

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.