نظرية المؤامرة.. في حكاية أخرى

مشاهدة
أخر تحديث : jeudi 20 septembre 2018 - 10:01
نظرية المؤامرة.. في حكاية أخرى

في سياق مراجعاتي المستمرة بعض النظريات التي ساهمت في تشكيل وعينا الفردي، ووعينا الجمعي، بهيئة مصطلحات وأدبيات منتشرة في ما نقرأه من كتبٍ ومقالات، توقفت، ذات لقاء صحافي، عند مصطلح المؤامرة، باعتباره أحد أشهر مصطلحات الفكر السياسي العربي في التاريخ الحديث.


وعلى الرغم من شهرة هذا الموضوع عربيا، على وجه الخصوص، وعلى الصعيدين، الشعبي والنخبوي، وبالمستوى نفسه، من الاهتمام تقريبا، إلا أن ذلك كله لا يعطيه هوية عربية خالصة، كما قد يتوّهم بعض المتحمسين له، فالنقاش بشأن موضوع المؤامرة موجود في كل مكان، وقد ترافق بشكل لافتٍ جدا مع الانقلابات الجيوبولوتيكية الكبرى في أوروبا بالذات، فأصبحت الثورة البلشفية في العام 1917، على سبيل المثال التاريخي الشهير، نتيجة « تمرير » قيصر ألمانيا الزعيم الثوري لينين إلى روسيا، وأصبح اجتياح ألمانيا في الفترة الهتلرية بولندا ثمرة تواطؤ مع فرنسا وروسيا وبريطانيا.. إلى آخر هذه النظريات المؤامراتية المكشوفة جدا، والتي ساهمت في ترويج الفكرة، وتكريس المصطلح، وتصديره بشكل مستمر إلى مختلف البلدان.
تحول الأمر بعد ذلك إلى حالةٍ مرضية عندنا، نحن العرب، مع نجاح الغرب في وضع يده على المنطقة العربية بموجب اتفاقيات سايكس بيكو الشهيرة التي حولت الأمة إلى شظايا على خريطةٍ فوق أرض الواقع العربي، ثم بعد استيلاء الصهاينة على فلسطين في العام 1948، وإنشاء كيانهم السياسي، وصولا إلى العدوان الثلاثي على مصر في 1956 وهزيمة العرب أو نكستهم  في 1967، والتي كانت المدخل السهل لتعميق المشكلة في ظل الفشل المتكرّر لمعظم أنظمتنا السياسية العربية بتحقيق أي إنجاز داخلي أو خارجي كبير على مستوى العالم، بالإضافة إلى فشل هذه الأنظمة في مواجهة الأخطار الخارجية على المنطقة، أي فشل عملية التنمية برمتها، باستثناءاتٍ محدودةٍ هنا أو هناك! وهذه كلها عوامل جعلت « المؤامرة » مشجبا في متناول أيدي الجميع، حيث يمكن أن تعلق عليه كل أنواع الفشل العربي.
وما جعل الأمر كارثيا سيطرة بعض الأنظمة التآمرية على السلطة في الوطن العربي، سواء بأيديولوجيتها القومية أو الدينية أو تركيبتها الأخلاقية. وهكذا أصبحت المؤامرة أداة حكم، وأداة تبرير، وأداة شرعية سياسية، حتى صرنا نرى أن مهام أنظمة بأكملها، وهي تختصر بـ « التصدّي للمؤامرة »، حيث لا عمل لديها غير ذلك، ولا صوت بالنسبة لها يعلو على صوت معركتها ضد ما سمتها المؤامرة! وفي تحولات السياسة والثورة في سورية، وما تلاها من تداعيات محلية وإقليمية ودولية، نموذج على كيفية استفادة تلك الأنظمة المهترئة، كالنظام  السوري، من نظرية المؤامرة في تعزيز وجودها وتضخيم أدواتها في حياة البلاد والأفراد.
هذا كله لا يعني أن النظرية التي تغلغلت في كل مناحي الحياة، باعتبارها أسهل نظريةٍ سياسيةٍ يمكن الركون إليها في التفسير والتقرير، قد فشلت، ما دامت مكشوفةً إلى ذلك الحد الشعبي الاستهلاكي الشائع، بل يعني أنها مثل كل الأفكار الحيوية الخالدة في الوجدان.. لا تمرض إلا لتعود أقوى. وفي مراجعاتي التي بدأت التذكير بها ببداية هذا المقال ما يجعلني أصدّقها مرة أخرى، وتلك حكاية أخرى.

سعدية مفرح – شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، من مجموعاتها الشعرية « ليل مشغول بالفتنة » و »مجرد امرأة مستلقية »، ولها مؤلفات نقدية وكتب للأطفال. فازت بعدة جوائز، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات عدة.
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.