هل استُهدف « العدالة والتنمية » المغربي؟

مشاهدة
أخر تحديث : mardi 18 septembre 2018 - 10:16
هل استُهدف « العدالة والتنمية » المغربي؟

ثمة استراتيجية معمول بها في الصراع السياسي بين الأطراف المتفاعلة فيه، تستهدف ضرب مركز القوة، لإضعاف المستهدَف وإرباكه، وإفقاده التوازن في حركيته وعلاقاته، وشل قدرته على التفكير بما يلزم لمواصلة الصراع.


هذه الاستراتيجية، قد تستهدف الأفراد والتنظيمات والأنظمة السياسية أيضا، ويتطلب الكشف عن مركز القوة، جهدا في الرصد والتتبع، وربما اللجوء إلى الاختراق بوسائله المختلفة، لإنجاح عملية ضربه.
كان تدبير الصراع السياسي في المغرب معنيا بهذه الاستراتيجية منذ سنوات، وتم استعمالها مع تنظيمات مختلفة، قد يكون جديدها حزب العدالة والتنمية الذي ما يزال يعيش على وقع الارتباك بسبب تداعيات إعفاء أمينه العام السابق، عبد الإله بنيكران، من مهمة تشكيل حكومة ما بعد انتخابات 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، وتداعيات الخلاف حول تمكينه من ولاية إضافية على رأس الحزب.
معلوم أنّ لحزب العدالة والتنمية خصوصية في نشأته، باعتباره خرج من رحم حركة التوحيد والإصلاح التي رعت ولادته الثانية، ووفّرت له إمكانات بشرية وغيرها، فكان طبيعيا أن يكون مركز قوته في بداياته داخل الحركة، وبالضبط في موقع القيادة، التي كان يُشرف عليها الدكتور أحمد الريسوني.
جرى ذلك خلال نهاية التسعينات وبداية القرن الحالي، فما كان من خصومه إلا التركيز في الحرب الإعلامية أساسا، على الحركة وعلى رئيسها في تلك الفترة، إلى أن جاءت فرصة حواره الشهير مع إحدى الجرائد الناطقة بالفرنسية سنة 2003، واستغلال إثارته لموضوع إمارة المؤمنين، فكانت النتيجة تقديمه لاستقالته، مما شكّل ضربة قاسية للحركة وللحزب معا، تزامنت مع تداعيات الأحداث الإرهابية لـ 16 ماي 2003 عليهما.
بالموازاة مع ذلك، كان مركز قوة آخر للعدالة والتنمية في طور التشكل، احتضنه فريق الحزب بمجلس النواب، في الولاية الثانية له بالمؤسسة التشريعية، بعد مرحلة التأسيس (1997-2002)، مع ما واكبها من إشعاع لصالح الحزب، مكنه من حصد موقع مقدر داخل المشهد السياسي الوطني، وانتشار واسع داخل المجتمع.

عرف مركز القوة هذا هو الآخر استهدافا، في الفترة نفسها التي شهدت ضرب مركز القوة الأول، وانتهى هذا الاستهداف بتقديم مصطفى الرميد استقالته من رئاسة الفريق، في أكتوبر من سنة 2003، بعد إعادة انتخابه رئيسا، موضحا في تصريحات للصحافة حينها، أن بعض الجهات هي من كانت وراء تقديم استقالته من رئاسة الفريق، بعدما وصل الأمر إلى توجيه تهديدات مباشرة للحزب، مضيفا « تحملت مسؤوليتي، وقدمت استقالتي لتجنيب حزبي كل ما من شأنه أن يضر به ».

هكذا تم تجريد الحزب من مركزيْ قوة في السنة نفسها، وهو ما جعله يعيش على وقع الارتباك والضعف، تجسّدا في النتائج التي حصل عليها في انتخابات 2007، حيث انتقل عدد نوابه من 42 إلى 46 فقط، وفي الحقيقة كانت هذه النتائج ناقوس خطر، حول مستقبل المسار الذي اختاره الحزب، وامتحانا للشعارات التي ظلّ يرفعها.
وفي المؤتمر الوطني السادس المنعقد سنة 2008، اختار أعضاء الحزب الأستاذ عبد الإله بنكيران أمينا عاما، لينتقل خصوم الحزب إلى مرحلة أخرى من المواجهة، بالإعلان عن تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، غير أنّ الحزب استعاد تماسكه التنظيمي وأطلق دينامية جديدة داخل الحزب، وحدت صفه في المعارك السياسية التي خاضها فيما بعد، وداخل المشهد السياسي الوطني، من خلال اجتراح أطروحة النضال الديمقراطي.
ما حصل بعد 2011، هو أن حزب العدالة والتنمية، أصبح له مركزا قوة، وهما الأمانة العامة ورئاسة الحكومة أيضا، بعد نجاح الأستاذ عبد الإله بنكيران، في تحويلها إلى عنصر قوة إضافي لصالح الحزب ولصالح المجتمع كذلك، فكان طبيعيا أن يتم استهداف الحزب في هذين المركزين، وهو ما كان بالفعل عبر مراحل، منها تدبير أزمة مغادرة حزب الاستقلال للأغلبية الحكومية سنة 2013، وإخراج الدكتور العثماني من الحكومة، إلى جانب حملات إعلامية منظمة ومكثفة، مرورا بإعفاء الأستاذ بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة، بعد فضيحة البلوكاج الذي أعقب انتخابات 7 أكتوبر 2016، وصولا إلى فشل مساعي الإبقاء عليه أمينا عاما للحزب خلال مؤتمر 2017.
وهكذا فقدَ الحزب مركز قوته، ليعيش اليوم في وضع صعب، تنظيميا وسياسيا، ربما لاعتبارين، أولهما أن وحدته مُسّت بعد الإعلان عن حكومة سعد الدين العثماني، على الأقل على المستوى النفسي لأعضائه في مختلف مستويات التنظيم، فلم يخض معاركه بالوحدة المرجوة. وثانيهما أنه فشل في نقل مركز قوته إلى مكان آخر بالسرعة المطلوبة، خاصة أن القيادة الحالية لم تستطع الإبقاء على رئاسة الحكومة ولا على الأمانة العامة مركزا لقوة الحزب، بالنظر إلى معطيات كثيرة موضوعية وذاتية.
إنّ حزب العدالة والتنمية مطالب اليوم بالتفكير في مركز قوة، خارج الأمانة العامة وخارج الحكومة وفق المعطيات الحالية، في أقرب وقت ممكن، يمكنه من إطلاق تعبئة جماعية داخل الحزب، تعيد الاطمئنان إلى أعضائه ومناصريه، وتحفزهم على الانخراط في الدفاع عنه، وعن إنجازاته، سواء داخل الحكومة أو في الجماعات الترابية.
من يدري، ربما تكون شبيبة الحزب مؤهلة لهذا الدور وأكثر استعدادا من غيرها لتحمل هذه المسؤولية.

حسن حمورو – المغرب / العربي الجديد

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة Free Opinions | فضاء الآراء الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.